مع بداية عملية بربروسا (Barbarossa) يوم 22 حزيران/يونيو 1941، وضع أدولف هتلر مدينة لينينغراد، سانت بطرسبرغ سابقا، على قائمة أهدافه، فخلال حربه ضد الاتحاد السوفيتي، اتجه أدولف هتلر لتدمير هذه المدينة بسبب رمزيتها لدى السوفييتيين حيث حملت الأخيرة اسم مؤسس الاتحاد السوفيتي وقائد الثورة البلشفية فلاديمير لينين.
وبالجبهة الشرقية، تقدمت مجموعة الجيوش الشمالية الألمانية من الجنوب نحو لينينغراد، وبالتزامن مع ذلك، تقدمت القوات الفنلندية، التي تحالفت مع الألمان، من الشمال ليتم بذلك فرض حصار خانق على هذه المدينة السوفيتية التي تواجد بداخلها ملايين المواطنين السوفييت.
تراجع الحصص الغذائية
بناء على ذلك، بدأ حصار لينينغراد يوم 8 أيلول/سبتمبر 1941 تزامنا مع قطع القوات الألمانية لآخر الطرق المؤدية نحو المدينة، وبعد نحو عام ونصف من الحصار، فتح الجيش الأحمر السوفيتي خلال شهر يناير 1943 ممرا ضيقا لمواصلة دعم لينينغراد وضمان عدم استسلامها، وقد تواصل هذا الحصار لحدود يوم 27 يناير 1944 ليصنف بذلك ضمن قائمة أطول الحصارات التي عرفها التاريخ.
إلى ذلك، شهدت لينينغراد طيلة هذه الفترة كارثة غذائية غير مسبوقة. فمنذ مطلع شهر أيلول/سبتمبر 1941، تراجعت الحصص الغذائية اليومية بشكل رهيب. فبينما حصل العمال اليدويون على 600 غرام من الخبز، حصل عمال الدولة على 400 غرام. وفي المقابل تراجعت حصص الأطفال وبقية المدنيين لأقل من 300 غرام من الخبز يوميا.
وعقب القصف الألماني المكثف ما بين شهري آب/أغسطس وتشرين الأول/أكتوبر 1941، فقدت لينينغراد أهم مخازن غذائها التي دمرت واحترقت بالكامل. وأمام هذا الوضع، اتجه عدد كبير من أهالي لينينغراد لنبش حطام مخازن الغذاء والتربة المحيطة بها أملا في جمع بعض الدقيق والسكر المتناثر لسد رمقهم.
وحسب تقارير تلك الفترة، استهلك أهالي لينينغراد خلال الأيام الأولى من الحصار ما قدره 12 بالمائة من المواد الدسمة و10 بالمائة من اللحوم الموجودة بالمدينة. فضلا عن ذلك، أصبحت مطاعم المدينة خالية من الطعام تزامنا مع فقدان الأموال لقيمتها حيث لم يعد بإمكان أي من أهالي لينينغراد الحصول على الغذاء مقابل المال.
وبناء على تقديرات المسؤولين بلينينغراد يوم 12 أيلول/سبتمبر 1941، امتلكت المدينة مخزون غذاء محدودا حيث لم يكن الدقيق كافيا سوى لـ35 يوما بينما لم تتجاوز مخزونات اللحم الموجودة 33 يوما. وفي المقابل، امتلكت لينينغراد مخزون سكر يكفيها لستين يوم ومخزون معجّنات لمدة لا تتجاوز 31 يوم.
أمام النقص الحاد في الغذاء، اتجهت نسبة كبيرة من سكان المدينة للتغذي على العلف الذي كان مخصصا في السابق للأحصنة والأبقار. فضلا عن ذلك، عمد بعض الأهالي لجمع بعض القمح المتناثر بالبحر عقب قيام البوارج والغواصات الألمانية باستهداف السفن السوفيتية المحملة بهذه المادة عند سواحل المدينة.
وخلال السنة الأولى من الحصار، واجهت لينينغراد تخفيضات عديدة في الحصص الغذائية اليومية. فأواخر العام 1941، تراجعت قيمة الحصص الغذائية لنحو 250 غراما يوميا للعمال اليدويين و125 غراما للمدنيين.
1.5 مليون قتيل
مع تواصل الحصار، لجأ سكان لينينغراد لأكل الحيوانات الموجودة بحديقة الحيوانات إضافة لحيواناتهم الأليفة. وبسبب اعتماد المؤسسات السوفيتية على نشا البطاطس لصناعة الملصقات والأغلفة الموجودة على الحيطان، عمد الأهالي لنهب وتقطيع هذه الملصقات والأغلفة الحائطية بهدف طبخها وإعداد حساء منها. من جهة ثانية، لم يتردد أهالي لينينغراد بداية من العام 1942 في أكل جثث الموتى التي ظلت محفوظة بشكل جيد بسبب الطقس البارد ودرجات الحرارة المنخفضة. ومع تفشي المجاعة، ظهرت بلينينغراد تقارير عديدة أكدت على انتشار آكلي لحوم البشر بالمدينة.
ومع نهاية الحصار، أكدت التقارير على مقتل نحو 1.5 مليون مدني بلينينغراد. وقد فارقت نسبة كبيرة من هؤلاء الأشخاص الحياة بسبب المجاعة والنقص الحاد بالغذاء. فضلا عن ذلك، تحولت لينينغراد لمدينة أشباح. فقبل الحرب، قدر عدد سكان المدينة بنحو 3.5 مليون ساكن. ومع نهاية الحصار، لم يتبق بها سوى 700 ألف فقط. وقد انخفض عدد سكان لينينغراد حينها إما بسبب الوفيات المرتفعة أو الهجرات الجماعية.