بعد سنوات من الهدوء النسبي، عاد ملف زيادة أسعار الأدوية المتداولة في مصر، مرة أخرى، إلى طاولة المفاوضات بين الشركات المصنعة للدواء والحكومة، التي تحكم سيطرتها على أسعاره بموجب تسعيرة جبرية كالخبز المدعم والبنزين.
يأتي ذلك، فيما تستعد شعبة الدواء باتحاد الغرف التجارية، لاجتماعٍ مرتقب مع هيئة الدواء المصرية، الأسبوع المقبل، لعرض عدة سيناريوهات لزيادة أسعار الدواء في مصر، لمواجهة الزيادة الكبيرة في تكلفة مدخلات الإنتاج بالتزامن مع ارتفاع سعر تداول الدولار في مصر منذ أبريل 2022، بحسب ما قاله رئيس شعبة الدواء باتحاد الغرف التجارية، علي عوف.
وأضاف عوف لـ "العربية Business" أن السيناريوهات التي ستقدمها الشعبة لهيئة الدواء المصرية ستراعي بشكلٍ كبير البعد الاجتماعي للمواطنين في مصر، مع الحفاظ على اقتصاديات مصانع الأدوية التي باتت تصنّع أدوية بتكلفة أعلى من أسعار البيع المحددة جبرياً، في ظل ارتفاع سعر الدولار وارتفاع تكاليف استيراد المواد الخام التي زادت 3 مرات بعد حرب غزة.
أحد سيناريوهات الزيادة المقترحة، يتضمن رفع أسعار ثُلث الأدوية الأعلى مبيعاً في مصر (1500 مستحضر) بنسبة تتراوح بين 20 و25% خلال عام كامل، وفقاً لعوف. والذي قال "لدينا 17 ألف دواء مسجل في مصر، بينهم 4 آلاف مستحضر هم الأكثر مبيعاً.. تحريك نسبة الثلث قد يساعد الشركات على تحمّل ارتفاع تكاليف الأصناف الأخرى".
السيناريو الثاني الذي ستعرضه شعبة الدواء، يتضمن رفع أسعار 450 دواءً لعلاج الأمراض المزمنة كالضغط والسكر والكلى والكوليسترول والشلل الرعاش وغيرها من الأدوية التي تستخدم بشكل يومي، بنسبة تتراوح بين 15 و20%، بجانب تحريك أسعار 600 دواء من المستحضرات التي تسمى "OTC"، التي تصرف دون وصفة طبية (Over the Counter Medicines) كالمسكنات وخوافض الحرارة وأدوية نزلات البرد والحساسية، بنسبة 30%، فضلاً عن زيادة أسعار جميع المضادات الحيوية والأدوية المستخدمة بشكل موسمي بنسبة 25%، بحسب عوف.
"تكاليف إنتاج الأدوية في مصر وارتفاع أجور العاملين خلال الأشهر الماضية تتطلب رفع أسعار الدواء بنسبة 100%.. لكن تلك الزيادة لن تقبل من المواطنين والقيادة السياسية في الدولة، حتى الشركات نفسها لن تستطيع طلب ذلك مراعاة للبعد الاجتماعي"، وفقاً لرئيس الشعبة.
سيناريو 2016 و2017
في منتصف 2016، وافق مجلس الوزراء المصري على رفع أسعار جميع الأدوية المسعرة بقيمة أقل من 30 جنيها بنسبة 20%، ومع مطلع العام التالي له 2017 أقرت وزارة الصحة رفع أسعار أكثر من 3 آلاف دواء بنسبة تتراوح بين (30 إلى 50% للأدوية المحلية) و(40 إلى 50% للأدوية المستوردة) لمساعدة الشركات على تجاوز آثار قرار تعويم الجنيه الصادر في 3 نوفمبر 2016، والذي أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، خاصة مع اعتماد قطاع الدواء على استيراد 90% من خامات إنتاجه.
وقال رئيس إحدى شركات الأدوية في مصر، فضّل عدم ذكر إسمه، إن الشركات تتطلع حالياً لاعتماد سيناريو مماثل لتحريك الأسعار في 2017، لكن إذا وافقت الحكومة على تحريك جميع الأدوية بنسبة تتراوح بين 30 و40% سيكون الأمر جيداً نوعاً ما.
وأضاف "إذا تطلب الأمر عدم تحريك أسعار جميع الأدوية، قد يكون البديل تقديم جميع الشركات قوائم بالأدوية التي ارتفعت تكاليف إنتاجها مقارنة بسعر بيعها للجمهور إلى هيئة الدواء المصرية، لتولي فحصها ومراجعة حسابات تكاليفها على الشركة وإعادة تسعيرها بأسعار جديدة تراعي التكلفة وهامش الربح".
بلغ استهلاك المصريين من الأدوية المباعة عبر الصيدليات في 2023 نحو 146 مليار جنيه، بزيادة تلامس 25% مقارنة بعام 2022، بحسب تقديرات شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية.
محمد البهي، عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات ومستشار غرفة صناعة الدواء،
وتعاني السوق المصرية الفترة الحالية من نقص ملحوظ في عدد كبير من الأدوية المعالجة للأمراض المزمنة، لأسباب أرجعتها شركات وصيدليات تحدثت معهم "العربية Business"، منتصف الأسبوع الحالي، إلى حزمة أزمات في مقدمتها نقص الدولار الذي يتداول حالياً بسعر يلامس 31 جنيهاً في المصادر الرسمية وأكثر من 55 جنيهاً في السوق الموازية.