بتأليفه أوبرا "زرقاء اليمامة" استطاع الشاعر والكاتب والناقد المسرحي السعودي صالح زمانان، لفت النظر إلى هذا العمل الذي ألف ألحانه الملحن العالمي الشهير لي برادشو، المقطوعة الموسيقية الأوبرالية مستوحياً في تركيبها الموسيقي عناصر الموسيقى العربية والتراث السعودي، والأساليب الموجودة في المقطوعات الموسيقية الأوبرالية العالمية مثل موزارت وفيردي وبوتشيني.
عمل فني ضخم
وحول هذا العمل الفني الضخم، أوضح المؤلف صالح زمانان لـ"العربية.نت"، أن فكرة زرقاء اليمامة بدأت كأوبرا من قبل وزارة الثقافة، في الربع الأول من العام 2020، وانتهى المؤلف من البحث وتأليف النص في العام ذاته بعد قراءة معمقة وبحث في العديد من كتب التراث العربي التي ضمت حكاية وأسطورة زرقاء اليمامة، إضافة للعديد من المراجع الخاصة بالتاريخ العمراني في منطقة نجد وسط السعودية، وأخرى تتناول المجتمعات القديمة، أو الأزياء، أو حتى النباتات.
ولفت إلى أن حوارات النص بنسخته تلك كانت شعرًا بالكامل، وكانت شخصياته كثيرة.
كما أفاد بأن النص كان طويلاً، وانتهى بعد سنة من العمل مع الفريق الأوبرالي الذي تم تشكيله من دول عدة.
وأشار إلى أنه عمل على تقليص النص الأصلي الذي كتبه، حتى استخلص منه ما يسمى في فن الأوبرا بـ "الليبرتو libretto"، أي النص الأوبرالي النهائي بأصوات شخصياته الرئيسة، التي لا تتجاوز في تصنيفها عن 7 أصناف (3 نسائية و4 رجالية).
في حين كانت الرحلة في دراماتورجيا النص في غاية المتعة والدهشة، جعلت المؤلف هذه الرحلة يطلع على جانب معرفي وفني كبير في هذا الفن العالمي العظيم.
أسطورة مليئة بالتراجيديا
كما نوه إلى أن جذور الأساطير لطالما كانت قصصا جرت أحداثها بالفعل، لكنها ازدهرت في مخيلة الشعوب وتنامت حتى أصبحت أسطورة يحفّها الشعر والاستحالة والخروج عن المألوف، موضحا أن زرقاء اليمامة امرأة ترى على بعد ثلاثة أيام، وكانت شاهدة على أحداث قاسية ودامية، كان نتيجتها إبادة قبيلتين عربيتين، أصبحتا ضمن قائمة "العرب البائدة".
وأكد على أن هذه القصة/الأسطورة مليئة بالتراجيديا، وتحوي في داخلها مسارات درامية واضحة، استثمرها من خلال تراتبية الأحداث، وإضافة بعض الشخصيات للحكاية، وإضافة تفاصيل تزيد من حدة العلاقات بين الشخصيات، مع إشعال المشاهد والمجريات بحوارات شعريّة تقارب المستوى الشعري/اللغوي الذي رُوي في التراث عن زرقاء اليمامة.
ورأى أن الأساطير تعدّ مصدرا من مصادر الإلهام والكتابة، لا سيما في المسرح والأوبرا، وذلك لما تتّسم به التجربة الأسطوريّة من مرونة وقابلية للانزياح تجاه الفنّ. وزرقاء اليمامة لديها كل الخصائص المذهلة لكي تُنتج فنًا.
واعتبر أن هذه القصة تعدّ واحدة من أهم الآثار التراثيّة التي تتحدث عن جزء من العرب القدماء (العرب الفانية) الذين لم يعد لهم وجود، خصوصاً قبيلتي طسم وجديس. إضافة إلى أنها تحكي عن العديد من ملامح المجتمع في وسط الجزيرة العربيّة قبل الإسلام. ومن جهة أخرى، فقصة زرقاء اليمامة بوصفها نصًا مُتناقلاً في التراث، تعكس عبقريّة وشعريّة المزاج العربيّ في تكوين الأسطورة وصناعة قصائدها وتطوير أحداثها حتى نهايتها المفتوحة المشرّعة -دائماً- لاستكمالها.
أما عن أصداء العمل فأكد أنها كانت رائعة، حيث يمكن قراءة ذلك في الصحافة العالمية.
رغم ذلك يعول المؤلف كثيرًا على الأصداء المحلية والدولية التي ستظهر بعد العرض الأول.
وقال: "لقد بذل الجميع جهداً كبيرًا خلال فترة نضوج المشروع الطويلة نسبياً، وكلنا أمل في أننا سنفاجئ الجميع في العرض الأول بمركز الملك فهد الثقافي بالرياض، في الـ 25 من أبريل المقبل".
أما أهمية إطلاق أوبرا زرقاء اليمامة في لندن، فظن أنها تكمن في جلب انتباه الجمهور الدولي، الذي سيأتي لحضور الأوبرا الأولى، وسيزور الرياض من أجل مشاهدتها كواحدة من الروائع الكلاسيكية المعاصرة، التي أنتجتها وصنعتها بلادنا ضمن نهضتها الجمالية غير المسبوقة.
وأشار إلى أن شبه الجزيرة العربية، تضم ميراثا إنسانيا وحضاريا عظيما ينحدر من آلاف السنين، وتحتوي بحاضرها وتاريخها على ترسانة عملاقة من القصص والأساطير والحكايات المتناثرة في التراث واللغة والشعر والآركولوجيا.
وقال إن زرقاء اليمامة واحدة من هذا الميراث المذهل، ولن تكون الأخيرة. إننا مفعمون بالأمل والطموح، وسوف نروي الكثير من الحكايات المذهلة التي ستلهم العالم بأسره.. وليس هنالك طريق أفضل من الفنون والجمال لتناقل القصص الآسرة بوصفها تواصلاً خلّاقًا بين الأمم والشعوب، وجماليات عابرة للحدود، وممثّلة لحاضرنا البهيج ورؤيتنا الخلابة.
الأسطورة
يشار إلى أن زرقاء اليمامة كانت ترى على بُعد ثلاثة أيام، هكذا أسطورتها، في حين رأى المؤلف أن أهمية هذه الشخصية ليست في بصرها الحاد، بل في بصيرتها النافذة.
وأكد أنها تُجسّد بشكلٍ مذهل رمزاً أبديًّا وشامخًا وعميقًا للمرأة، بوصفها تشييدا للحياة والسلام والمعنى في القبيلة (بنية المجتمع العربي)، ومصدرًا أصيلاً للحِكمة والشِعر.