خلال الحرب العالمية الأولى، شهد العالم ظهور أولى الدبابات على ساحات المعارك. فخلال معركة فليرز كورسيليت (Flers–Courcelette) بفرنسا، أقحم البريطانيون، لأول مرة بالتاريخ، يوم 15 أيلول/سبتمبر 1916 عددا ضئيلا من دبابات مارك 1 (Mark I) في سعي منهم لبلوغ الخنادق والمواقع الألمانية المحصنة.
لاحقا، اتجهت العديد من الدول المتحاربة لإنتاج نماذجها الخاصة من الدبابات. وبهذا السياق، أنتجت الإمبراطورية الروسية بادئ الأمر دبابة القيصر، ذات الشكل الغريب، التي أبدت عيوبا عديدة. وبسبب صعوبة استخدامها على ساحات المعارك، اتجه الروس بالفترة التالية للتخلي عن مشروع هذه الدبابة.
ثورة بعالم الدبابات
خلال فترة الحرب العالمية الأولى، عانت الدبابات الألمانية والبريطانية من نقائص عديدة جعلتها غير فاعلة على ساحات المعارك. إلى ذلك، عرف عالم الدبابات ثورة حقيقية تزامنا مع ظهور الدبابة الفرنسية رينو إف تي (Renault FT)، المعروفة أيضا بإف تي 17 (FT-17)، ودخولها الخدمة. فبفضل تصميمها الشبيه بالدبابات الحديثة وامتلاكها لبرج مدفع دائري قادر على الدوران لنحو 360 درجة، فتحت الدبابة رينو إف تي الطريق أمام تطور برامج صناعة الدبابات.
وبالفترة التي تلت ظهورها عام 1917، اتجهت العديد من الدول لتقليد تصميم دبابة رينو إف تي أملا في تزويد جيوشها بدبابات شبيهة بها ومحلية الصنع.
وبهذا السياق، اتجه الاتحاد السوفيتي خلال العشرينيات، عقب نهاية الحرب الأهلية الروسية، لإطلاق مشروع صناعة الدبابات المحلية.
أول دبابة سوفيتية
خلال شهر أيار/مايو 1924، أعلنت موسكو عن تأسيس مكتب تطوير الدبابات الذي أوكلت له مهمة تزويد الاتحاد السوفيتي بأولى دباباته محلية الصنع. وبتصاميم مشابهة لتلك المعتمدة بدبابة رينو إف تي، طالب المسؤولون السوفييت مكتب تطوير الدبابات بإنتاج دبابة خفيفة لا يتجاوز وزنها 3 أطنان وتكون قادرة على نقل شخصين. من جهة ثانية، كان من المقرر أن تزود هذه الدبابة بدروع يبلغ سمكها 16 ملم ومدفع عيار 37 ملم.
خلال العام 1926، أنتج السوفييت نموذج دبابة أطلقوا عليه اسم تي 16 (T 16). وبناء على ذلك، زود هذا النموذج بمحرك بلغت قوته 35 حصانا شبيها بذلك المستخدم بشاحنات فيات تيبو 15 (Fiat Tipo 15) الإيطالية كما ثبت عليه مدفع عيار 37 ملم شبيه بمدفع بوتو إس أي 18 (Puteaux SA 18) الفرنسي.
خلال أول تجربة، أثبت النموذج تي 16 فشلا ذريعا حيث عانى نظام علبة النقل به من مشاكل عديدة كما لم يكن قادرا على اجتياز الخنادق التي تجاوز عرضها مترا ونصف.
أمام هذا الوضع، اتجه الاتحاد السوفيتي لإدخال تحسينات كبيرة على هذا النموذج. وقد تركزت التحسينات أساسا على هيكل الدبابة ونظام علبة النقل. ومنتصف شهر أيار/مايو 1927، باشر الاتحاد السوفيتي بتجربة دبابة تي 18 (T 18) التي بلغ وزنها 5.9 أطنان وزودت بمحرك بلغت قوته القصوى 35 حصانا سمح لها ببلوغ سرعة قصوى قدرت بنحو 17 كلم بالساعة. ومن ناحية التسليح، زودت تي 18 بمدفع عيار 37 ملم ورشاشتي فيدوروف أفتومات (Fedorov Avtomat).
وعلى الرغم من وجود بعض المشاكل بها، قبل المسؤولون السوفييت بدبابة تي 18 التي أصبحت أول دبابة ينتجها الإتحاد السوفيتي. وخلال شهر شباط/فبراير 1928، أمرت موسكو بالبدء في إنتاج دبابة تي 18. وما بين 1928 و1931، أنتج السوفييت 126 نسخة من هذه الدبابة التي سرعان ما تركت مكانها لدبابات تي 19 وتي 20 الأكثر تطورا.