ما إن تسير في شوارع مدينة الرياض، وتزور مناطقها الحيوية، حتى تدهشك مناظر لافتة إلى حد ما، إذ ستجد شباباً وشابات، يقفون في طابور طويل أمام بعض المطاعم والمقاهي لعدة ساعات لمواكبة ما هو جديد، أو ما يعرف بـ "الترند" بهدف تجربة المأكولات والمشروبات الجديدة التي لا تختلف كثيراً عن ما توفره بقية المحلات التجارية.
شاب يوثق اطول لاين في الرياض 😳! pic.twitter.com/EsWNBMtqkw
— Gorgeous (@gorgeous4ew) April 6, 2024
ويعتمد ملّاك هذه المنشآت التجارية أسلوبا تسويقيا وهميا، إذ ينسق أولئك المّلاك مع مجموعة الشباب والشابات بالوقوف والتجمهر أمام المطعم أو المقهى من أجل التسويق للمتجر، فيما يقدم الملاك الذين اتفقوا مع تلك المجموعة سلفاً مبالغ في أحيان، وفي بعض الأوقات يكتفون بتقديم المشروبات المجانية لهم في سبيل إنجاح المشروع، وتعزيز فكرة انتشاره.
وكشفت جولة ميدانية لـ"العربية.نت" في مقاهي الرياض بأن معظم أولئك الشباب والشابات سعوديون في سن المراهقة، بعضهم يجري التعاون معهم من قبل شركات تسويقية متخصصة في هذا المجال، إذ تقوم بدورها في توفير طابور طويل أمام المحل التجاري لعدة أيام بحسب الاتفاق.
متعة لا مثيل لها!
"العربية.نت" التقت الشاب محمد القرني الذي يبلغ من العمر 20 عاماً، واقفاً أمام إحدى أشهر المقاهي في العاصمة الرياض مؤكدا حسب قوله: "لاينات قهاوي الرياض متعة لا مثيل لها، وحاجة أساسية في جدولي اليومي، فقبل خروجي من المنزل، أبحث عن أزحم قهوة حتى أذهب لها، فمن خلالها ألتقي بأصدقاء سابقين، وأتعرف على أصدقاء جدد، وأجد في نفسي فرحة ونشاطا وحيوية بتواجدي مع الناس".
وتابع محمد القرني، "أنا وأصدقائي لا نعتمد على طابور واحد في اليوم، بل ننطلق مباشرةً إلى مكان جديد في حال تواجد به طابور طويل، حتى إن ملّاك المقاهي الجديدة يقدمون لنا الدعوات في الافتتاحات الجديدة.
سلوك المجتمع
وهذه الظاهرة تطرح سؤالاً جوهرياً حول إن كان هناك تغيير في سلوك المجتمع، أو أنها مشاهد مؤقتة تنتهي بانتهاء ذروتها، تجيب الدكتورة نورة الصويان، أستاذ علم الاجتماع المشارك لـ"العربية.نت"، مؤكدة أن اصطفاف الشباب أمام المقاهي تعد نقطة تحول في سلوك الشباب والشابات، خاصة مع التغيرات التي حدثت في المجتمع السعودي، والانفتاح على الثقافات الأخرى، وزيادة الأنشطة الترفيهية.
وأضافت الدكتورة نورة الصويان،" أن توافر ما يسمى بـ" اللاينات" – طوابير طويلة أمام المقاهي والمطاعم- واختيار الشباب البقاء فيها أفضل عند البعض منهم من الجلوس في الطرقات، أو حتى لقاءات "البر"، كما أن التشريعات أتاحت للشباب والشابات السماح بالتردد على المقاهي في ظل التغير الاجتماعي ورؤية السعودية 2030
مقاهٍ أكثر جودة
وتابعت، كما أن بعض المقاهي لدينا أصبحت تقدم منتجا ينافس المقاهي الأجنبية حتى أصبحت أكثر جودة منها، وهو ما يتصل مع التغير الاجتماعي والثقافي، لا سيما التوسع العمراني وتطور الاقتصاد السعودي الذي أدى إلى زيادة الطلب على المطاعم والمقاهي، وتلبية احتياجات المستهلكين في العديد من المناطق.
وقالت نورة الصويان، "إن أسباب انتشار المقاهي والتزاحم عليها إن الناس باتوا أكثر انفتاحاً للتغيير، فهي ثقافة تمثل أحد صور المباهاة الاجتماعية، حيث ارتفاع تكلفة المشروبات والأطعمة، كما أنها تمثل أحد الأماكن التي تسهل اللقاءات بين الشباب من الجنسين في مناخ آمن بعيدا عن الأماكن الخاصة المغلقة أو المفتوحة التي يمكن أن يؤدي ارتيادها إلى حدوث بعض المشكلات أو المضايقات.من جهته، يعتقد الدكتور محمد مكني، أستاذ المالية والاستثمار بكلية الاقتصاد بجامعة الإمام لـ"العربية.نت" أن انتشار ظاهرة الطوابير الوهمية أمام المقاهي أصبحت حيلة مكشوفة ومستهلكة لا تقدم منفعة تسويقية ولا منفعة اقتصادية، فالهدف الأساسي لبدء أي مشروع تجاري هو الاستدامة والمنافسة لتقديم الأفضل والاحتفاظ بالعميل، وهو الأمر الذي لن يتحقق إلا إذا كان هناك قيمة مضافة حقيقية تجعل العميل يعود لشراء المنتج مره أخرى.
ولخص مكني مجموعة عوامل تعزز فكرة الإقبال على المنتج أو المتجر، إذ يقول إنه يجب العمل عند بداية المشروع التجاري على اختيار مجموعة عوامل مثل "المكان المناسب، والمنتجات، والعاملين، فضلاً عن البيئة وغيرها، إضافةً لـ طرق تسويقية مبتكرة تكونٌ جاذبةً للعملاء لأنه من السهل إحضار العميل للمرة الأولى، بيد أنه من الصعب أن يستمر عميلاً دائماً، لذلك المشروع يقوم على مجموعة من العوامل أحدها التسويق الحقيقي.
فشل المشاريع الجديدة
وبين أن "الأسباب الرئيسية لفشل كثير من المشاريع الجديدة يعود إلى إهمال مفهوم الاستدامة، إذ يكون هناك تركيز على المرحلة من خلال اتباع طرق لا تخدم المشروع على المدى الطويل، على غرار صناعة طوابير وهمية مدفوعة توهم الآخرين أن هناك منتجات مميزة أو إقبالاً كبيراً، لكن سرعان ما تنكشف هذه الحيلة ويخسر المشروع.
وشدد محمد مكني، أستاذ المالية والاستثمار على أهمية التركيز بالجودة والتسويق غير الوهمي، إذ يصاحبه آثار عكسية ليست متوقعة ما سيجعله ينعكس على العميل بصورة سلبية حول المصداقية والأمانة التي يجب أن تكون أساسا لقيام أي مشروع تجاري