قد تكون على مقربة من أحد المواقع في السعودية التي شهدت قصص حب خالدة خلدها أبطالها بالشعر العذب، وحفظته الأجيال، ودونته دواوين الشعر العربية.
فلا تكاد تتجاوز منطقة في السعودية إلا وفيها قصة عشق، نسج أبطالها قصتهم حول الأماكن والمواقع، وخلدوا المكان في إحدى قصائدهم منذ العصر الجاهلي وحتى نهاية العصر العباسي.
عنترة وعبلة
تأتي منطقة الجواء شمال منطقة القصيم، واحدة من أشهر المواقع التي شهدت قصة حب خالدة، بسبب النداء الخالد الذي أطلقه عنترة بن شداد "يا دار عبلة بالجواء تكلمي وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي".
ولا تزل المنطقة تحمل نفس الاسم منذ نحو 1600 عام، وهي منطقة واسعة تشمل عيون الجواء وروض الجواء وغاف الجواء والقوارة وقصيباء، وأغلب هذه المواقع قد وردت في شعر عنترة بن شداد، حيث يُعد شاعر الحب والحرب، فلم يجمع شاعر بين الحرب والحب سواه، فهو يتذكر محبوبته والسيف بيده.
ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني .. وبيض الهــند تقطر من دمـي
فــوددت تقبيل الســيوف لأنـــها .. لمعت كبارق ثغرك المتبسمي
قيس ليلى
لا تزل مدينة سعودية تحمل اسم ليلى وجبل التوباد، وهي من مخلدات مجنون ليلى الذي تسمى بعدة أسماء، فلقب بالمجنون، ولقب باسم محبوبته، فهو قيس الأول، لأن هناك عاشقاً آخر يحمل نفس الاسم.
ويقع جبل التوباد الذي أشار إليه العاشق "قيس" كثيراً في قصائده في مدينة الأفلاج التي مركزها ليلى وأشهر مدينة للحب عند العرب.
ويقول:
وأجهشتُ للتوباد حين رأيته .. وهلل وكبر للرحمن حين رآني
كما نظم أمير الشعراء في العصر الحديث أحمد شوقي في مسرحيته الشعرية حول التوباد
جبل التوباد حياك الحيا .. وسقى الله صبانا ورعا
ولا تزال المواقع الشهيرة في جبل التوباد ومدينة ليلى تتلقى الزوار في غار بعرض جبل التوباد، نسجت حوله القصص حول لقاء العاشقين وقصصهم.
جميل بثينة
قدر لهذه القصة أن تكون واحدة من أغنى المناطق الأثرية في السعودية، حيث واحة العُلا الشهيرة الواقعة على واد القرى، ورغم أن بداية هذه القصة كانت مختلفة، حيث بدأت بالسباب والشتم، حيث تُروى القصة أن شرارة الحب بدأت بينهما بعد أن جفل حوارا لإبل جميل بسبب بثينة في وادي بغيض، وهو أحد أفرع وادي القرى، ليسبها جميل فردت عليه السباب، فأحب جميل السباب وأنشد قصيدته الشهيرة:
وأول ما قاد المودة بيننا .. بواد بغيض يا بثين سباب
وقلنا لها قولا فجاءت بمثله .. لكل كلام يا بثين جواب
وبقية المواقع الشهيرة التي شهدت قصة جميل وبثينة الواقع شمال العلا، حيث كانت بثينة تعيش في البادية في واحدة من أغنى المواقع الأثرية في العالم.
كثير عزة
شهدت قصته موطن ولادته قرية "كلية" التابعة لمحافظة رابغ، الواقعة بين مكة والمدينة، وتعد كلية أحد مراحل مسيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في هجرته إلى المدينة المنورة.
ورغم أن كثير عزة لم يوغل في ذكر المناطق والمواقع والجبال أو مسمياتها، كما هي عادة الشعراء العرب في ذكر الأطلال والمواقع، إلا أن استدلال المؤرخين بموطن ولادته في ذلك الموقع.
ولعل وادي الشبا الواقع على أطراف المدينة المنورة، واحد من المواقع القليلة التي ذكرها الشاعر حينما ارتحلت محبوبته، وبعد أن زوجها ذووها إمعانا في إذلاله، حيث قال:
أقول لدمع العين أمعن لعله .. بما لا يرى من غائب الوجد يشهد
فلم أدر أن العين قبل فراقها .. غداة الشبا من لاعج الوجد تجمد
مجنون لبنى
ويعرف باسم قيس بن ذريح، ويعتبر أحد مشاهير العشق، والذي يحمل اسم "قيس" كما في مجنون ليلى، وربما يسبق عهده عهد مجنون ليلى، حيث عاش في زمن خلفاء الرسول، بينما عاش قيس الثاني في عهد عبدالملك بن مروان.
وبحسب مواقع بني خزاعة في مواقع مر الظهران الواقعة قرب مكة والصحاري المحيطة به، فقد شهدت هذه القصة الفريدة من نوعها، فهي القصة الوحيدة من قصص الحب الخالدة التي كتب لها الزواج رغم ممانعة أهل قيس بن ذريح، وحين انفصل عن لبنى بداعي عدم الإنجاب انفجر مرة أخرى في هيامها ليعود مجددا ويقول:
فيقول
أتبكي على لبنى وأنت تركتها .. وكنت عليها بالملا أنت أقدر
فإن تكن الدنيا بلبنى تقلبت .. فللدهر والدنيا بطون وأظهر
ومجنون لبنى من الشعراء الذين لم يوغلوا كثيرا في ذكر المواقع لتلك القصة وتسمية أهم ما يميز مرابع أرض محبوبته، كما هي عادة الشعر العربي ومقدماته الطللية أو وصف المكان.
توبة وليلى الأخيلية
في هذه القصة الشهيرة التي حدثت في القرن الأول الهجري بموقع في عالية نجد، عكست البطولة فيها لليلى الثانية، وهي التي تسمت باسم ليلى صاحبة قيس، ورغم أن الفارق الزمني بين ليلى الأخيلية وليلى العامرية، لا تتجاوز 20 عاماً، وربما يرى البعض أن لعنة الحب قد أصابتها بسبب هذا الاسم، فلا تزال قصة ليلى ومجنونها حاضرة أثناء ولادة ليلى الأخيلية، وربما سميت باسم صاحبة المجنون.
وتذكر كتب الأدب أن ليلى الأخيلية هي من خلدت قصة الحب مع توبة بن الحمير بشعرها، عكس قصص الحب العربية، حيث كان الرجل يلعب دور البطولة.
وتخلد توبة قصة الحب بالعديد من الرثاء لمحبوبها الذي مات قبلها، وتحكي كتب الأدب عن مرورها على قبر توبة بصحبة زوجها فطلب أن تسلم عليه فرفض زوجها، وقالت: والله لا أبرح حتى أسلم على توبة" فلما رأى زوجها إصرارها، تركها فأقبلت عليه ووقفت أمام القبر وقالت: السلام عليك يا توبة، ثم قالت لقومها: والله ما عرفت له كذبة، فلما سألوها عن ذلك قالت: أليس هو القائل..
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت .. علي ودوني تربة وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو صاح .. إليها صدى من جانب القبر صائح
وأغبط من ليلى بما لا أناله .. ألا كل ما قرت به العين صالح
فما باله لم يسلّم علي كما قال؟ وكان بجانب القبر طائر البومة، فلما قربت ليلى من على الهودج فوق الجمل، فزعت وطارت في وجه الجمل، وأطرب وهاج وسقطت ليلى من على رأسها وماتت ودفنت بجانب قبر توبة.