حسب ما نشرته صحيفة "لوباريزيان" الفرنسية مؤخرا، يستعد حلف الناتو لاعتماد سياسة دفاعية جديدة لمواجهة التهديدات الروسية. وبناء على ذلك، تتجه كل من النرويج وفنلندا وليتوانيا ولاتفيا وإستونيا وبولندا لإنشاء جدار من المسيرات لمقارعة أي تدخل روسي محتمل تزامنا مع تواصل تقدم الجيش الروسي بالأراضي الأوكرانية.
إلى ذلك، تعيد هذه الاستراتيجية للأذهان عددا من الخطوط الدفاعية التي أنشأتها الدول الأوروبية، عند حدودها، بالقرن الماضي لمواجهة أي تدخل عسكري محتمل.
وفي الأثناء، يصنف جدار الأطلسي الذي أنشأه الألمان خلال الحرب العالمية الثانية كأبرز هذه الدفاعات التي سجلت ظهورها بالقارة الأوروبية حيث لا تزال أجزاء هامة منه موجودة ليومنا الحاضر.
4 آلاف كلم من التحصينات
وعقب فتح جبهة ثانية ضد الاتحاد السوفيتي خلال شهر حزيران/يونيو 1941، اتجهت ألمانيا لإرسال أغلب قواتها نحو الجبهة الشرقية لمواجهة الجيش الأحمر. وأملا في حماية الجبهة الغربية من تدخل بريطاني أميركي محتمل، اتجه أدولف هتلر، حسب نظرية المؤرخ الأميركي روبرت باكستون، لتعويض الجنود بالإسمنت. وقد انطلق الألمان في تنفيذ هذه الخطة بشكل مبدئي بعدد من المناطق الفرنسية المحتلة المطلة على المحيط الأطلسي. فبكل من لوريان (Lorient) وبرست (Brest) ولاروشيل (La Rochelle) وبوردو (Bordeaux)، أنشأ الألمان قواعد عسكرية خصصت لتموين الغواصات الألمانية التي غزت المحيط الأطلسي.
ومع تعكر الوضع على الجبهة الشرقية وتزايد المخاوف من إمكانية تواصل الحرب ضد السوفييت لسنوات، وافق أدولف هتلر على خطة إنشاء جدار الأطلسي الذي مثل مجموعة من الدفاعات، المطلة على المحيط الأطلسي، الممتدة على طول 4 آلاف كلم بين كل من النرويج وإسبانيا.
فشل الجدار في حماية ألمانيا
إلى ذلك، تكون جدار الأطلسي من عدد كبير من التحصينات والخنادق التي جهزت بالرشاشات والمدافع قبالة الشواطئ. فضلا عن ذلك، اتجه الألمان لتجهيز عدد من المواقع بجدار الأطلسي بمدافع عملاقة استخدم بعضها على متن البوارج الحربية.
ومن ناحية أخرى، وافق المهندسون الألمان على وضع عدد كبير من العوائق على الشواطئ لمنع وإعاقة تقدم قوات الحلفاء في حال قيامها بإنزال بحري. وحسب التصاميم، استخدم الألمان كميات هائلة من الإسمنت لتشييد هذه الدفاعات، وزيادة سمكها، بهدف جعلها قادرة على تحمل ضربات البوارج الحربية والقصف الجوي الذي قد يشنه الحلفاء عليها. وبناء على الخطط الأولية، أمر أدولف بتوفير 300 ألف عسكري للعمل على طول خطوط جدار الأطلسي.
إلى ذلك، أوكلت مهمة تشييد جدار الأطلسي لمؤسسة تودت (Todt) التي ظهرت عام 1938 وساهمت في بناء عدد هام من مرافق ألمانيا. ولإنجاح مهمة بناء جدار الأطلسي بأسرع وقت ممكن، لم تتردد هذه المؤسسة في الاستعانة بعدد من مؤسسات البناء الألمانية والفرنسية. وأملا في توفير يد عاملة كافية لتشييد جدار الأطلسي، أرست سلطات فيشي (Vichy) الفرنسية، المؤيدة لألمانيا، نظام العمل الإجباري بفرنسا لتجبر بذلك عددا هاما من الفرنسيين على العمل بهذا المشروع. فضلا عن ذلك، وافق عدد كبير من المتطوعين التشيكيين والبولنديين والبلجيكيين على المساهمة بأشغال جدار الأطلسي. أيضا، أرسل الألمان عددا هاما من الأسرى بالمعتقلات نحو مواقع البناء للقيام بالأشغال بالشاقة.
بحلول العام 1944، لم تتمكن ألمانيا من إنجاز سوى 50% من دفاعات جدار الأطلسي. فضلا عن ذلك، كان تسليح هذه الدفاعات غير متناسق. ومع استلامه مهام مراقبة الدفاعات الألمانية بالغرب، اتجه المارشال إرفين رومل (Erwin Rommel) لزيادة عدد المدافع بعيدة المدى بدفاعات جدار الأطلسي، كما وافق في الآن ذاته على فكرة زيادة الدفاعات الموجودة على الشواطئ أملا في محاصرة العدو تحت نيران المدفعية في حال قيامه بإنزال بحري.
مع بداية عملية إنزال الحلفاء يوم 6 حزيران/يونيو 1944، فشل جدار الأطلسي في الدفاع عن الشواطئ حيث تمكنت قوات الحلفاء من اختراقه بفضل الدور الهام الذي لعبته فرق المشاة التي نزلت على الشواطئ.