العرضة السعودية.. إيقاع ملحمي يثير العزائم ويجسد الأصالة

عباس العقاد: العرضة السعودية رقصةُ مُهيبة ومتزنة

المصدر: العربية.نت - نايف الشهراني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

تحمل العرضة السعودية معاني السمع والطاعة مستنهضة همم الرجال بصوت جماعي مُهيب يصطف فيه المشاركون على إيقاع الطبول، مُرددين شعرًا حماسيًّا يُشعل في النفس القوة والإقدام مصحوبًا بـ"العلم السعودي"، فيما يعد فن العرضة السعودية فناً ضارباً بجذوره في عمق التاريخ، كإيقاع يرهب الأعداء ويجسد الشجاعة والاستعداد للدفاع عن الوطن، فضلاً عن كونه في الأصل موروثا سعوديا أصيلا يعبر عن القيم والتقاليد العريقة التي تشرّبها السعوديون جيل بعد جيل.

وبمجرد حلول موعد اليوم الوطني السعودي الـ 94، فإنه يبرز في الإطار "ارتباط العرضة السعودية" بفتوحات الملك عبدالعزيز وتوحيده المملكة، فضلاً عن دورها الفاعل في تكثيف الحماسة ومعاني الفخر، وتحضر العرضة السعودية في ملحمة توحيد السعودية على يد الملك عبدالعزيز آل سعود، إذ كان حريصًا على أدائها قبيل انطلاق عمليات التوحيد، لتصبح بعد ذلك رمزًا ثقافيًا عريقًا يُفتخر به، وفي الوقت ذاته، بات يؤديها ملوك السعودية .

صورة شهيرة للملك سلمان بن عبد العزيز أثناء تأديته للعرضة السعودية
صورة شهيرة للملك سلمان بن عبد العزيز أثناء تأديته للعرضة السعودية

وعن ذلك، يقول الأديب عباس محمود العقاد في كتابه "مع عاهل الجزيرة العربية" إنها: رقصةُ مُهيبة ومتزنة تثير العزائم، والعرضة السعودية هي أداء يُحيي في النفوس مشاعر الشجاعة لا سيما شجاعة الفرسان، وبقي أسلوب أدائها كما هو عليه إلى وقتنا الحاضر منقسمة في أدائها إلى مجموعتين، الأولى مجموعة منشدي قصائد الحرب، والثانية مجموعة حملة الطبول، ويتوسط حامل العلم صفوف المجموعتين ليبدأ منشدو القصائد في أداء الأبيات وترديدها، ثم يليها الأداء مع قرع الطبول لترتفع السيوف .

حسب الروايات التاريخية فإن الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن كان يحب أداء العرضة بصفتها فنًا حربيًا
حسب الروايات التاريخية فإن الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن كان يحب أداء العرضة بصفتها فنًا حربيًا

وتعد "العرضة السعودية" فناً حربياً كان يؤدى في منطقة نجد وسط البلاد، وعرفت لعدة سنوات باسم "العرضة النجدية" وكان هذا اللون يؤدى في المعارك الحربية قبل وأثناء توحيد أجزاء البلاد ليتحول المسمى لاحقاً إلى "العرضة السعودية"، ومن سمات العرضة الدالة على أنها عرضة الحرب استخدام طبول الحرب وإيقاعات الحرب والمبارزة بالسيوف، كتمرين فردي للقتال ومشاركة الخيل وأهل المعقودة الحاملين البنادق ويؤدون حركات منتظمة وبديعة في إطلاق النار.

ولعل أبرز مستلزمات العرضة تتمثل في الراية أو البيرق والسيوف والبنادق إضافة إلى الطبول، في حين تتطلب العرضة صفوفاً من الرجال يقسمون إلى مجموعتين : الأولى مجموعة منشدي قصائد الحرب، والثانية مجموعة حملة الطبول، إذ يتوسط حامل العلم صفوف المجموعتين ليبدأ منشدو القصائد في أداء الأبيات وترديدها ثم تليها الرقصة مع قرع الطبول لترتفع السيوف ويتمايل الراقصون جهة اليمين أو جهة اليسار مع التقدم لعدة خطوات إلى الأمام، في وقت يكون المنشدون في صف واحد.

ويستخدمون طبولاً مختلفة يطلق على الكبيرة منها طبول التخمير، أما الصغيرة منها فيطلق عليها طبول التثليث، ويتردد بصوت يسمعه الحاضرون: خمر... ثلث، ولعل طبول التثليث اكتشفت مع العرضة السعودية بهدف رفع المعنويات واستعراض القوة في أثناء الحروب. كما تعد الأزياء الخاصة بالعرضة ركناً أساسياً لإقامتها وأدائها بما يحقق عنصر الإبهار الجمالي للراقصين، حيث جرت العادة أن يلبس مؤدو العرضة زياً خاصاً صنع من قماش فضفاض واسع يسمح بسهولة الحركة للراقص، ويُصنع الزي من قماش أبيض اللون ويكون خفيفاً، وفوقه يرتدي المؤدي للعرضة قطعة سوداء تسمى «القرملية»، وهي ذات أكمام طويلة في العادة تلبس مع الشماغ أو الغترة والعقال.

بدوره، أوضح الباحث عدنان الطريف مؤلف كتاب بعنوان "العرضة السعودية تاريخ تحكيها الصور" بأن هناك أدلة تشير إلى أن العرضة السعودية كانت أكثر حضوراً في ملحمة توحيد البلاد على يد الملك المؤسس عبد العزيز الذي كان حريصا عليها قبل انطلاق المعارك، وفي الوقت ذاته اعتبر الطريف أن أشهر شاعر للعرضة في عهد الملك المؤسس هو الشاعر فهد بن دحيم الذي قال عنه الأديب عبد الله بن خميس في كتابه "أهازيج الحرب أو شعر العرضة": إنه إذا جد الجد وحزب الأمر وقرعت الطبول ولبس السلاح تجده هناك ترمقه الأبصار وتنشد نحوه الأسماع بانتظار ما سوف يهزج به.. وقد غاب مرة مريضا عن هذا التجمع، فأمر الملك عبد العزيز أن يأتوا به ولو محمولا، فجاء ابن دحيم يغالب مرضه وهز سيفه وأنشد:

نجد شامت لابوتركي وأخذها شيخنا
وأخمرت عشاقها عقب لطم اخشومها
لي بكت نجد العذّية تهل دموعنا
بالهنادي قاصرين شوارب قومها
حن هل العادات وخضبين سيوفنا
والطيور الحايمة جادعين لحومها
صعبة أفعالنا لي بغاها غيرنا
وكلمة التوحيد حنا عمار رسومها

وكما جرت العادة فإن العيد الوطني السعودي يبدأ بـ"احتفالات العرضة" التي باتت ضمن البرامج الثقافية المخصصة لهذا اليوم الذي يحتفل به السعوديون في كل عام بحلول الـ 23 من شهر سبتمبر، ويجدر التذكير بأن العرضة السعودية باتت حاضرة في منظمة اليونسكو، إذ اعتمدت المنظمة "العرضة السعودية" ضمن لائحة التراث العالمي الشفوي، وبهذا الحضور تصبح العرضة السعودية العرضة الأولى على لائحة الفولكلور الشفوي العالمي.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط