رغم إقرار وزارة التعليم السعودية بضرورة تخصيص عيادات صحية داخل كل مدرسة في حال عدم وجودها، وتجهيزها باللوازم الطبية، إلا أنه بدا لافتاً افتقار بعض مدارس التعليم في السعودية إلى توافر العيادات الصحية المدرسية المؤهلة، وإن توافرت فإنها تقتصر على تقديم إجراءات الإسعافات الأولية للجروح البسيطة حتى دون توافر كادر صحي مؤهل، فمعظم من يتولى سبل الرعاية في العيادة تلك هم في الغالب من منسوبي المدرسة دون امتلاك تأهيل يُعينهم على تقديم الرعاية الصحية.
وفي الوقت الراهن، فإن خدمات الرعاية الصحية في المدارس انتقلت إلى وزارة الصحة عقب ما كانت في السابق تحت مظلة وزارة التعليم، فيما يطالب مجلس الشورى السعودي، "وزارة الصحة" بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، من أجل رفع كفاءة خدمات الصحة المدرسية عبر استكمال توفير العيادات المدرسية، وتجهيزها وتكليف الممرضين، من أجل تغطية العمل فيها، مؤكدين أهمية الخدمات الصحية في المدارس انسجاماً مع دورها في الارتقاء بكل ما من شأنه المحافظة على صحة وسلامة الطلاب بما يحسن جودة الحياة .
وكان مجلس الوزراء السعودي قد أصدر قرارًا بنقل الإدارة العامة للصحة المدرسية والوحدات الصحية من وزارة التعليم إلى وزارة الصحة، ووضع الترتيبات والتنظيمات اللازمة لقيام الصحة المدرسية بمهامها، ومن ضمنها تخصيص عيادة مدرسية للإسعافات الأولية توفر فيها الأدوية في كل مدرسة، غير أنه ما بدا لافتاً هو عدم اكتمال توافر مقومات الرعاية الصحية في بعض المدارس دون توافر لكوادر صحية تقوم بعملها.
وبينما تقول وزارة الصحة، إنها أطلقت برنامجًا لتحسين صحة الطلبة في المدراس تحت مسمى «المدارس الصحية»، وذلك حسب المعايير، والسياسات، والإجراءات العالمية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، إلا أن مطالبات شورية متعددة تلاحقها مشددة على أن "الصحة" لم تتمكن حتى الآن من تفعيل الرعاية الصحية داخل المدارس على الوجه المطلوب، منتقدة قصورها في هذا الاتجاه.
وتُعرف الصحة برنامجها «المدرسة الصحية» بأنها مكان يعمل فيه جميع أعضاء المجتمع المدرسي من طلبة، وأولياء أمورهم، ومعلمين، وإداريين جنبًا إلى جنب من أجل تعزيز صحة هؤلاء الطلاب، وتطبيق التدابير الرامية إلى تعزيز الصحة إلى جانب العملية التعليمية للطلبة، وذلك بالشراكة التكاملية بين وزارتي الصحة والتعليم، كما تتبني كافة التدابير المتاحة لها، فضلًا عن اعتمادها مجموعة من البرامج الرئيسة الخاصة بالتربية الصحية المدرسية.
وفي سياق متصل، تواصلت "العربية.نت" مع وزارة الصحة من أجل معرفة التأثيرات السلبية التي قد تنتج عن عدم توافر عيادات صحية في المدارس، فضلاً عن تأثيرها على الكشف المبكر عن المشاكل الصحية لدى الطلاب، وقدرتها على تعزيز الصحة النفسية، غير أن الوزارة المعنية في الإشراف على الملف ذاته نأت بنفسها عن الأمر.
وأحالت سلسلة الاستفسارات الصحافية إلى وزارة التعليم التي بدورها لم تعد معنية في الإشراف على الخدمات الصحية للمدارس، وفقاً لقرار مجلس الوزراء الصادر بـ عام 19/1/1434هـ، حينما أقر مجلس الوزراء قرارًا بنقل الإدارة العامة للصحة المدرسية والوحدات الصحية من وزارة التعليم إلى وزارة الصحة، ووضع الترتيبات والتنظيمات اللازمة لقيام الصحة المدرسية بمهامها، ومن ضمنها تخصيص عيادة مدرسية للإسعافات الأولية توفر فيها الأدوية في كل مدرسة.
"مشكلة صحية كبرى"
في هذه الأثناء، يرى مختصون أن غياب العيادات الصحية في المدارس يعد مشكلة صحية كبيرة تؤثر على البيئة المدرسية والطلاب أيضاً، وتتضح الحاجة الماسة إليها بصفتها جزءٍ من نظام التعليم، إذ توفر هذه العيادات الإسعافات الأولية وخدمات التقييم الصحي المبكر، إلى جانب التثقيف الصحي للطلاب، ومباشرة الحالات الطارئة إن وجدت عبر كوادر طبية مؤهلة.
ويوضح الدكتور محمد الملحم، المختص في الشؤون التربوية، لـ “العربية.نت” أن العيادات الصحية في المدارس تتلخص في إطار غرف مزودة بأدوات طبية أساسية مثل السرير الطبي، وأجهزة قياس الضغط والحرارة، وأدوات الإسعافات الأولية، مشيراً إلى أن دور هذه الغرف لا يقتصر على تقديم رعاية طبية شاملة كالتي تقدمها المستشفيات، بل يشمل تلبية الاحتياجات الصحية العاجلة للطلاب والإسهام في الكشف المبكر عن المشكلات الصحية.
"فقدان الأمان"
ويرى الدكتور الملحم أن غياب العيادات الصحية في المدارس يفقد الطلاب والمعلمين شعور الأمان الضروري، ويزيد من الأعباء على الإدارة المدرسية للتعامل مع الحالات الطارئة، لافتاً إلى أن هذا النقص يجعل البيئة التعليمية أكثر عرضة للتوتر ويُثير القلق لدى أولياء الأمور حيال سلامة أطفالهم عند حدوث أي مشكلة صحية غير متوقعة، الأمر الذي يؤثر على قدرة المدارس في توفير بيئة تعليمية مريحة وصحية.
أثر غياب العيادات الصحية
ويعتقد الدكتور محمد الملحم أن طلاب المدارس سوف يتأثرون بشكل مباشر عند غياب العيادات الصحية، إذ إن مشكلاتهم الصحية ستبقى دون تشخيص أو متابعة، مثل ضعف النظر الذي قد ينعكس سلباً على تحصيلهم الدراسي، فضلاً عن نقص التوعية الصحية مثل مشكلات السمنة وعدم معرفة الطلاب بأهمية النظافة الشخصية.
بالإضافة إلى ذلك، يؤدي غياب العيادات الصحية إلى شعور الطلاب بعدم الأمان، خاصةً في حالات الطوارئ الصحية، مما يرفع من مستوى القلق لديهم ويؤثر سلباً على تجربتهم التعليمية بشكل عام، مضيفاً أن مدارس التعليم تواجه تحديات متعددة في إطار توفير العيادات الصحية، وأبرزها التحديات المالية والإدارية، إذ تحتاج المدارس إلى ميزانية مستقلة لتجهيز العيادات وتدريب الموظفين، - طبقاً لحديث الملحم - كما أن هذا التحدي يتطلب تعاوناً بين وزارتي التعليم والصحة لضمان وجود الكوادر المؤهلة وتوفير الموارد اللازمة.
أهمية التعاون المجتمعي
يشدد الدكتور الملحم على دور المجتمع المحلي وأولياء الأمور في دعم العيادات الصحية المدرسية، إذ يعزز تعاون الأهالي مع المدارس من الوعي الصحي لدى الطلاب، ويمثل عاملاً إضافياً لزيادة الدعم لتوفير عيادات صحية تخدم الطلاب. ويوجه الدكتور الملحم دعوته لأولياء الأمور بمتابعة الحالة الصحية لأبنائهم والتفاعل مع توجيهات المشرفين الصحيين لضمان سلامة الطلاب داخل البيئة التعليمية.
لتعزيز وجود العيادات الصحية في المدارس، يدعو الدكتور الملحم إلى خطة استراتيجية مشتركة بين الجهات الحكومية والمؤسسات التعليمية والصحية، تشمل تدريب الكوادر المدرسية وتوعية المجتمع بأهمية العيادات المدرسية ودورها الكبير في حماية صحة الطلاب وتوفير بيئة تعليمية آمنة، خاصة في خضم تزايد احتياجات الرعاية الصحية في المدارس، إذ إن توفير عيادات صحية خطوة أساسية لتحسين جودة التعليم وضمان بيئة مدرسية صحية وآمنة.