برزت السعودية "غادة عبود" بروايتها الجديدة "العشاء الأخير"، لتعرض لنا لوحة فنية تعكس صراع الهوية والثأر في أعنف لحظات التاريخ.
وكشفت الروائية غادة لـ"العربية.نت" عن أصداء روايتها، تقول: كان صدى الرواية إيجابيًا جدًا على المستوى الفني من النقاد، وأشكر كل من كتب على وسائل التواصل الاجتماعي ليشيد بالرواية، كذلك أسعدني كثيرًا انطباعاتهم عن الفصل الذي يرصد آخر دقائق الدرعية، أنا ممتنة جدًا لهذه التجربة، والكاتب تجارب، والمشروع الأدبي هو عملية تطور دائم.
رواية العشاء الأخير
وأضافت: العشاء الأخير، قصة ثأر وتشافٍ من علاقة سامة، حيث يتمتع الطرف الآخر بنرجسية تامة، يغوي ضحيته ويثري فيها إحساسها بالثقة، وفي المقابل يغرّبها عن ذاتها حتى تفقدها تمامًا، حرب العودة للجذور التي تخوضها "هدى" من أجل استعادة هويتها من "نور الناجي"، هي قصة كل شخص تم اغتيال شخصيته على يد شخص نرجسي.
وتعود الرواية للعام 1818، آخر نصف ساعة قبيل سقوط "الدرعية" لنتعرف على أحد أقسى لحظات الوطن، ولكنها أكثرها رفعة وعزة، حيث نلتقي بالإمام عبدالله بن سعود وهو في طريقه للخروج من بوابة الدرعية والتضحية بنفسه لينقذ أهل الدرعية من الهجوم الغاشم على يد قوات إبراهيم باشا الغادرة.
وهنا تحصل هدى على الإجابة: لحظة قاسية على كل سعودي، ماذا لو كان على بعد خطوات من الإمام عبدالله بن سعود قبل الخروج النهائي لقوات إبراهيم باشا؟ تضحية كبيرة من شخص حتى تعيش الفكرة: فكرة الوطن الذي سيستمر ويصبح أعظم الأوطان.
ارتكاز الأعمال
وتابعت حديثها: تركز أعمالي دائمًا على الشخصيات المهمشة، مثل الاضطراب النفسي، وضحايا النرجسية، والطبقية، وأسلط عليهم الضوء، ولكن أردت أن أضعهم أمام هذه اللحظة القاسية في تاريخنا، حتى أدفع فيهم القوة والثبات، قد تسقط مدينة في نفسك، ولكن تأكد أنك ستنتصر لاحقًا وتذهل من حولك بنجاحك وتقدمك واعتزازك بذاتك وقوتك".
كتابة الرواية
وحول كتابة رواياتها، قالت: كنت في حالة انقطاع عن الإعلام حين كتبت روايتي الأولى "بايبولار"، وكانت كتابة هذه الرواية بمثابة سعي لإثبات الوجود وإيصال رسالتي الإنسانية للقراء، بعد سنوات من الركض في عالم الإعلام، ومن بعد نشرها، ورغم عودتي كإذاعية، إلا أنني أصبحت أعرف عن نفسي ككاتبة وروائية، الرواية هي التي منحتني الاستقرار وأرضا صلبة أستطيع الوقوف عليها والاستمرار من خلالها.
وتضيف: العمل الروائي ليس جنة خضراء أيضًا، حيث إن الكاتب في العالم العربي لا يتمتع بمردود مادي يستطيع من خلاله التفرغ لمشروعه الأدبي والإخلاص له، لهذا نجد الكثير من الكتاب والروائيين يعملون في مجالات أخرى كالصحافة أو الترجمة وغيرها.
فقد كنت أبحث عن أثر واضح للجهد الذي بذلته في عملي الإعلامي خلال أعوام طوال، وكان الاتجاه لكتابة الرواية هو الطريق الذي سلكته بحثًا عن ذلك، وأعمل على الاستمرار في المجال الروائي معرفة نفسي بتلك الصفة فقط.
مهرجان Villa Gillet الأدبي
وقالت غادة: روايتي الأولى "بايبولار" جذبت اهتمام الصحافة الفرنسية، وقد كتبت وعوضت مسرحية قصيرة عن شخصيات سعودية تدور أحداثها في مدينة "كان" الفرنسية.
وسعدت بتواصل المهرجان معي لتمثيل الكتاب السعوديين في المهرجان. وكنت حريصة على تقديم الصورة الواقعية والحقيقية عن المجتمع والرواية السعودية، من حيث اطلاعنا وتواصلنا مع الحضارات المختلفة، وتقبلنا للثقافات المتنوعة.
وتكمن أهمية هذا المهرجان في كونه احتفالية ضخمة تضم كتابًا من حول العالم، الكل سفير لوطنه، والكل يتفاخر بالحركة الأدبية في بلاده، ويتحدثون عن الأدب والرواية في بلادهم. وقد كانت هذه شرفًا كبيرًا لي.
وكنت حريصة على تمثيل الكتاب السعوديين وتوضيح الثراء الثقافي والنوعي للرواية السعودية، وتطورها، وتناول الرواية السعودية لمواضيع مختلفة، كما أن السعودية تزخر بثقافات متنوعة نتمازج جميعًا تحت شعار الوطن، فكنت حريصة على توضيح تنوع الرواية السعودية".
أبرز التحديات
وتتابع: "كانت أشبه بالإبحار دون بوصلة أو خريطة، ولكن وجدت نفسي في منتصف بحر من الصفحات والشخصيات التي تسعى لاكتمالها والوصول للقارئ، لم يعد اكتمال الرواية أمرًا اختياريًا، بل أصبح مسؤولية قررت أن أجعلها مهمتي الأولى والأخيرة، وتفرغت لها بشكل تام.. وأدركت من خلال روايتي الأولى أن الكتابة أبعد ما يكون عن الإلهام، وأن المزاجية عائق قتل مشاريع روائية كثيرة في مهدها، أيضًا أدركت أن السؤال الكليشيه عن طقوس الكاتب هو مج رد فكرة خيالية لا أدري من ابتدعها، فأنا كتبت جميع أعمالي في المطبخ، حتى أصبح هذا الأمر شيئًا معروفًا عني، وطلبت إحدى المصورات أخذ صور لي وأنا أكتب في مطبخ منزلي.
فالكتابة التزام فقط. حتى التسويف فيها يعد جزءًا من الالتزام إزاء إنهاء العمل الأدبي وخروجه للنور. وأحد التحديات المفاجئة التي واجهتها، وسأذكر ذلك لأنني كثيرًا ما تصلني رسائل من كتاب في حالة من الذهول والاستغراب، أود من خلال اللقاء أن أطمئنهم أن هذه حالة عامة وواقع يجب أن نتعلم جميعًا تقبله والتأقلم معه، وتحديد توقعاتنا تجاهه. أتحدث عن التعامل مع دور النشر.
وأبانت في حديثها: يظن الروائي والكاتب أن ما عليه سوى الإخلاص لعمله الأدبي وتنقيحه والخروج بعمل يحترم القارئ ويكون له بمثابة الصديق المؤنس بأبهى حلة وبطانة، والمنطقي أن دار النشر، كونها مستفيدة أيضًا، أن تمنح الكاتب الفرصة للنشر، وتسعى لتوفير العمل في المكتبات، وتشارك في المسابقات الأدبية، وتوفر غلافًا لائقًا، وتساعد الكاتب بالتسويق لكتابه وتعريف القراء عنه، سواء بعقد ندوات، أو من خلال الإعلان عنه في وسائل التواصل الاجتماعي بشكل منصف.. ولكن أقول لكل كاتب يشعر بالإحباط إن دار النشر التي ائتمنها على كتابه ولم تسعَ لأي من ذلك، هوّن عليك. الكثير من الكتاب يواجهون نفس التحدي.
تأثير الثقافة السعودية والخليجية
واستطردت حديثها: تُذكر الثقافة المحلية السعودية بزخمها وتنوّعها وتعدديتها الثقافية الثرية، وهي المنبع الذي ترتوي منه رواياتي وشخصياتي. هدفي هو تقديم المحلية المحيطة بي إلى المحلية المختلفة في بلادي ذات التنوع الثقافي، وذلك من وجهة نظر مختلفة، عازمةً بذلك على إعادة تقديم شخصياتنا المحلية لبعضها لبعض، لنتمكن من التأمل في الروابط العديدة التي تجمعنا حتى مع الشخصيات المهمشة التي قد نطلق عليها "الآخر". كذلك، من خلال الإغراق في المحلية، حتى من خلال أسماء الشخصيات الشعبية جدًا، تلقيت رسائل من دول عربية عديدة مثل المغرب والجزائر، وأيضًا إيطاليا وفرنسا، تسألني عن معنى تلك الأسماء الشعبية.. أحب أيضًا إيجاد الرابط الإنساني بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، والتركيز على أن تناقضاتنا الإنسانية هي جزء أساسي من الطبيعة البشرية.
وختمت حديثها قائلةً: السعودية تذخر بمواهب ثمينة وأدباء لديهم إصدارات روائية متميزة جداً، ويبقى التحدي لدى الروائي السعودي هو دور النشر التي تتقاعس كثيراً مع الأعمال الروائية المحلية، بينما تركز على الأعمال الأجنبية المترجمة، وتقوم بالتسويق لها، والسعي لتوفيرها في المكتبات، بينما يخوض الكاتب السعودي تحدياً كبيراً لحث دور النشر على توفير إصداراته الروائية في المكتبات بالشكل الكافي والوافي ودعم هذه الإصدارات. بالطبع نستثني من ذلك الأدباء ذوي الشهرة والأسماء الكبيرة.