عندما انطلقت «العربية» قبل أكثر من 21 عامًا، كان هدفها أن تختصَّ بصياغة خطاب إعلامي معتدلٍ في اتجاهاته، عقلانيٍّ في مفرداته، واعٍ بدوره وواجباته، عِلميٍّ في نقله للأحداث، ومجتهدٍ في تحليلها والتعليق عليها، وحيويٍّ في ملاحقة مشاغل الإنسان العربي حيثما كان، من خلال احترامٍ كاملٍ لجدلية العلاقة بين المنطقة والعالم، وبين العرب والبشرية ككل، وفسح مجال أوسع للتواصل والتنافذ مع مختلف الشعوب والأمم في سياق التفاعل الإيجابي مع مفهوم القرية الكونية.
وانطلاقًا من شعارها المعتمد منذ تأسيسها: "متجددة، حيوية، وأقرب"، لا تكف «العربية» عن مسابقة الزمن باستباق تحولاته المتسارعة، وعن استقطاب الكفاءات في مختلف مجالات الإضافة العملية، سواء الإدارية والتنفيذية، أم التقنية والصحفية والإبداعية، وعن تجديد ملامح الشاشة عبر الاعتماد على حيوية خلايا التجاوب التلقائي، ليس فقط مع رغبات الجمهور وتطلعاته، وإنما كذلك مع الرؤية العقلانية المتقدمة لدور الإعلام التلفزيوني، خاصة من حيث القرب من مواقع الحدث، وملامسة الملفات الأكثر تعقيدًا، والقضايا الأكثر سخونة، ومن حيث التركيز على المعطَى الفكري والمعلومة الناجزة والتفسير بقصد التنوير، وتكريس دور «العربية» في منطقتها كمؤسسة تستهدف بالأساس تقديم الأبعاد الإنسانية لمختلف القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتكنولوجية المطروحة. فالإنسان يبقى المبتدأ والمنطلق والهدف الأسمى في عالم يمكن أن يتسع للجميع باتساع رؤية الفاعلين الأساسيين فيه.
ومن يتابع عملية التطور التي تشهدها «العربية»، فسيلاحظ أولًا توسعًا في فضاءات الحوار كأساس لإثراء الجانب الفكري للمتلقي، ولتقريبه من قيمة الشراكة المعرفية بالاعتماد على المحاورين الأوسع حرفية واطلاعًا، وعلى استضافة كبار الكتاب والمفكرين والمحللين وصانعي الرأي العام في المنطقة والعالم، في ظل تبنٍّ واقعيٍّ للرأي والرأي الآخر، وانسجامٍ مع الخيارات المبدئية المتعلقة باحترام العقل وقبول الاختلاف، وفي أن تكون للمُشاهد فرصة أوسع لأن يعرف أكثر.
كما سيلاحظ ثانيًا، تطوير الجانب البرامجي كمًّا وكيفًا، عبر تسبيق خيارات التنوع في العناوين والمضامين وصولًا إلى تعدد المقاصد والأهداف التي تجمع بين غايتي التثقيف والترفيه كوظيفتين أساسيتين في سلَّم وظائف الإعلام، وخاصة من حيث الاقتراب من شواغل الأفراد والجماعات وقضايا الشعوب والمجتمعات في مناطق وجودها، عبر الانطلاق المباشر نحوها بفرق ذات جاهزية عالية لتنفيذ مأموريتها الإعلامية في تفاعل تام مع ديناميكية التحولات التي يشهدها العالم من حولنا، حيث لا تَحُول أية حواجز بيننا وبين رغبتنا في نقل المُشاهد إلى عين المكان عبر عين الكاميرا.
إن ما يهم «العربية» هو أن تكون منبرًا للحوار المفتوح على أسس احترام عقل المتلقي وعكس اهتماماته والعمل من أجل الإجابة عن أسئلته، وأن تفتح أمامه مجالات المعرفة والاطلاع وسياحة البصر مع جلاء البصيرة في قراءة الواقع، بما يساعد على تطوير ثقافة الجدل والسجال، وترسيخ مبدأ الفكر النقدي المتقدم على طريق صياغة فَهم جديد للعلاقة بالحدث والواقع والإنسان والعالم من حولنا.
ولعل «مجلة العربية» التي ننطلق في نشرها إلكترونيًّا بصفة شهرية، ستكون مرآة عاكسة للحيوية العملية والإبداعية التي تشهدها الشبكة بمختلف مكوناتها، وذلك من خلال ربط الصلة بين فرقنا العاملة وأبرز الفاعلين ضمنها من صحفيين ومذيعين ومعدي ومقدمي برامج ومخرجين ومبدعين، سواء ممن يبرزون بأعمالهم ومنجزاتهم الإعلامية على الشاشة أم عبر موجات الأثير أم وراء الكاميرا، لتكتمل الصورة لدى المتلقي في علاقته مع «العربية» بما يليق بعمقها وصدقيتها وشفافيتها وتلقائيتها وبالثقة المتبادلة بيننا وبينه.