انعكاسات علم إطالة العمر الصحي على حياة الإنسان في السعودية

الأميرة هيا بنت خالد آل سعود
الأميرة هيا بنت خالد آل سعود
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

نرغب جميعًا بحياة أطول وأكثر صحة، حيث نستطيع الاستمرار في العطاء والإنتاجية أثناء تقدمنا في العمر. لذلك، فإن الاستثمار في علم إطالة العمر الصحي وإطالة سنوات عمرنا بشكل ننعم فيه بالصحة والنشاط - هو أمر بالغ الأهمية لمستقبلنا.

إطالة العمر الصحي لحياة أفضل

تتميز المملكة العربية السعودية بمجتمع شاب مُفعم بالحيوية والنشاط. فثلاثة وستون في المئة من سكانها تقل أعمارهم عن ثلاثين عامًا، مما يوفّر للمملكة فرصة ذهبية لمواجهة التحديات الديموغرافية المستقبلية عبر الاستثمار في إطالة العمر الصحي المتوقع، وهو ما يندرج تحت إحدى ركائز رؤية 2030 لمجتمع حيوي.

حققت المملكة إنجازات هائلة على صعيد زيادة متوسط عمر الإنسان الصحي خلال العقود الست الماضية، حيث كان متوسط العمر في ستينيات القرن الماضي ستة وأربعون عاماً فقط قبل أن يصل إلى قرابة ثمانية وسبعون عامًا بحلول العام 2023م وقد شكّل هذا الإنجاز دليلاً على التطوّر المذهل في مجال الرعاية الصحية وأنظمة الصحة العامة في المملكة.

وعلى الرغم من أننا نتمتع اليوم بعمر أطول إلا أن خطر الإصابة بالأمراض المزمنة يزداد مع التقدم في العمر حيث يُعاني أكثر من 70% من كبار السن في المملكة ممن تجاوزت أعمارهم الخامسة والستين من أمراض مُزمنة.

على الرغم من أننا حققنا تقدمًا كبيرًا في رفع مُعدل العمر المتوقع، إلا أننابحاجة ماسة لضمان جودة السنوات الاضافية المتوقعة ، حتى يُمكننا أن ننعم بها مع من نحب.

لماذا نحتاج تطوير آليات رعاية المرضى؟

يوفر التقدم في مجال علوم الشيخوخة فرصاً واعدة، إلا أن العالم ينفق تريليونات الدولارات على علاج أعراض الشيخوخة بينما يستثمر القليل جداً في فهم أسبابها الرئيسية. فعلى سبيل المثال، يخصص المعهد الوطني للصحة الأمريكي أقل من واحد في المئة من ميزانيته البحثية التي تبلغ 45 مليار دولار لدراسة علوم الشيخوخة. ومع ذلك، يُعتبر مجال علوم الشيخوخة الذي يعاني من نقص التمويل فرصة غير مستغلة لكل من الحكومات والقطاع الخاص.

كما أن الأنظمة الصحية التقليدية في العالم قائمة اليوم على معالجة الأمراض غير المعدية المرتبطة بالشيخوخة، بما في ذلك السكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والسرطان وذلك بدلًا من الوقاية منها.

إن الاستثمار في مجال علوم الشيخوخة الأساسية يمكن أن يُحدث تحولاً في نظام الرعاية الصحية التقليدي، مما قد يوفر أكثر من 40 تريليون دولار سنوياً من تكاليف الرعاية الصحية وزيادة الإنتاجية. كما أن تعزيز العمر الصحي سيساهم في زيادة المشاركة في القوة العاملة، وزيادة الاستهلاك، وتحسين التماسك الاجتماعي، مما سيعود بالنفع على المجتمع.

وهنا نتساءل؛ ماذا لو عالجنا الشيخوخة باعتبارها السبب الجذري لتلك الأمراض وركزنا على كيفية إطالة العمر الصحي للإنسان؟ ففي حين أن الشيخوخة هي مسألة لا يُمكن تجنبها، إلا أنها تعد المُسبِّب الأول لمعظم الأمراض المزمنة. وتتعامل مؤسسة هيفولوشن الخيرية مع هذه المشكلة من خلال التركيز على الشيخوخة كمسار قابل للعلاج. لذا يجب أن نحوّل تركيزنا من مجرد علاج لتلك الأمراض إلى الوقاية منها. وهنا يأتي دور علم إطالة العمر الصحي.

حان الوقت لتحقيق تطوّر صحّي كبير

لقد أُسست مؤسسة هيفولوشن الخيرية بغرض تحفيز الجهود الرامية لإطالة العمر الصحي. وكما أسفرت الإسهامات العلمية والطبية– مثل اللقاحات، والمضادات الحيوية، والتقنيات المعتمدة لإجراء التشخيص الطبي- عن إطالة العمر المتوقع، فإن الاكتشافات المستقبلية قد تساهم في إطالة مُتوقعة لأعمارنا الصحية .

إن مؤسسة هيفولوشن الخيرية تعطي الأولوية في استثماراتها للاكتشافات الطبية والتي يُمكن أن تجلب تقنيات وأدوية جديدة إلى السوق، وبالتحديد في مجال الشيخوخة وإطالة العمر الصحي للإنسان .

أحدثت هيفولوشن بالفعل تغييرًا كبيراً في مسار علوم الشيخوخة وإطالة العمر الصحي للإنسان والأبحاث الخاصة بذلك من خلال الاستثمار في الجيل الصاعد من العلماء المتخصصين بالشيخوخة وإطالة العمر الصحي ، حيث قدمت المؤسسة حتى اليوم تمويلًا بما يزيد عن 1.5 مليار ريال سعودي حول العالم، مما يجعلها أكبر مُموّل خيري في هذا المجال بالغ الأهمية.

وفي حين أن عملنا يتوسع إلى المستوى الدولي، تبقى المملكة العربية السعودية في قلب وجوهر جهودنا، ونحن نفخر بأن نستثمر في الجيل الأول من العلماء المتخصصين بالشيخوخة وإطالة العمر الصحي للإنسان في منطقتنا. ولقد أنشأنا برنامجًا للمنح يمتد لعامين، وتبلغ قيمته أكثر من 10.1 مليون ريال مُستهدفًا أول مجموعة من الباحثين في مجال الشيخوخة على مستوى المملكة، مع توفير التمويل لـ 11 باحثًا من كلاً من مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، ومركز الملك عبدالله العالمي للأبحاث الطبية، وجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست)، وغيرها من المؤسسات البحثية المرموقة، بغرض استكشاف مجالات مُتخصصة مثل العلامات الحيوية للشيخوخة، و الميكروبيوم، والتراجع الصحي المرتبط بالتقدم في العمر. كما لدى المؤسسة برنامج بقيمة 7.5 مليون ريال مُخصص لزمالة الباحثين ما بعد مرحلة الدكتوراه في مجال التغيرات الفيزيولوجية المصاحبة للشيخوخة، وتقاطع علم الأحياء الأساسي للشيخوخة مع الصحة والأمراض المزمنة. ومن خلال الاستثمار في رأس المال المتمثل بالكفاءات والمواهب البشرية، سنخلق تحولاً جذرياً يمتد تأثيره لأجيال عدة، مع جذب المزيد من المواهب والموارد إلى هذا المجال الآخذ بالنمو والذي سيساهم في التقليل من هذا التحدي.

لدينا اليوم خارطة طريق واضحة حول نهج المملكة في تطوير إطالة العمر الصحي، وعلاج الأمراض المزمنة، كما أن المملكة لديها تجربتها الفريدة في القطاع الطبي عبر استثمارها المدروس بعناية في تدريب الأطباء. أصبح لدينا اليوم ثقة واسعة النطاق في الكادر الطبي السعودي، وبات الإقبال على طلب الرعاية الصحية محليًا أكبر بكثير مما مضى. ويجري الآن تطبيق ذات النهج في مجال علوم إطالة العمر الصحي من خلال ضخ الاستثمارات ودعم البحوث والمواهب المحلية.

رؤية للمستقبل

ومن خلال الاستثمار في مجال إطالة العمر الصحي، فنحن لا نتعامل مع التحديات القائمة اليوم ونعالجها فحسب، بل نستكمل الاستعدادات لمستقبل نتمكن فيه من تجنب الأمراض المرتبطة بالشيخوخة، ونمكّن الجميع من التقدم بالعمر بشكل آمن وخالٍ من المشاكل الصحية. إنني أتطلّع لرؤية جيل مقبل من العلماء أكثر نمواً وازدهاراً في المملكة، وما سينتج عن هذا المسار من مخرجات بحثية حديثة ومتطورة مما يساهم في تحقيق رؤية 2030 ويدعم تطور مجال التكنولوجيا الحيوية في المملكة. وكلنا ثقة بأن هذه الخطوات المتقدمة ستعزز من جودة حياتنا وسترسخ معايير جديدة تمنحنا الريادة في أبحاث الشيخوخة على مستوى العالم.

*نائب الرئيس للأبحاث

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط