لم تعد المكاتب العائلية حكرًا على المليارديرات، فهناك آلاف الأسر الأميركية التي تمتلك مكاتب عائلية رغم أنهم ليسوا من طبقة فاحشي الثراء.
وتأسس أول مكتب عائلي في عام 1882، على يد جون د. روكفلر، الذي كان أغنى رجل في العالم آنذاك، لإدارة ثروته الضخمة التي بلغت 1.4 مليار دولار عند وفاته عام 1937، وهو مبلغ يعادل حوالي 31 مليار دولار بقيمة الدولار اليوم.
ثروة وارن بافيت.. وصية غريبة لتركة تفوق 150 مليار دولار!
كانت الفكرة بسيطة وفعالة، وقد تطورت لتصبح اليوم نموذجًا شائعًا بين أغنى العائلات، حيث يستخدم العديد من أعضاء قائمة فوربس 400 هذه المكاتب لإدارة ثرواتهم، بحسب ما ذكرته "فوربس" واطلعت عليه "العربية Business".
في جوهرها، هذه المكاتب ليست وسيلة لبناء الثروات من الصفر، بل لإدارتها، ,حمايتها، ونقلها إلى الأجيال القادمة، فهي توفر شعورًا بالاستقرار والطمأنينة للعائلات، وفي نفس الوقت تُعتبر رمزًا للمكانة الاجتماعية.
يقول مارك روجوزينسكي، رئيس خدمات المكاتب العائلية في شركة "كريسيت" لإدارة الأصول في شيكاغو، إن "الناس منهمكون في أعمالهم، ويريدون إجابات واضحة على أسئلة بسيطة على شاكلة: كيف تسير أمورنا؟ هل هناك أي شيء يدعو للقلق؟".
لماذا اكتسبت المكاتب العائلية زخمًا؟
هناك العديد من الأسباب التي تجعل المكاتب العائلية تنتشر بشكل متزايد في الوقت الحالي، فهناك النمو الطبيعي لثروات الأجيال الأكبر سنًا، مثل جيل الطفرة-وهم مواليد الفترة بين 1946 و1964- الذي تراكمت ثرواته على مدار عقود، وتقدر مجتمعة بـ84 تريليون دولار، وهذه الأجيال الآن قلقة بشأن كيفية نقل هذه الثروات إلى أبنائها وأحفادها بطريقة سلسة وفعالة.
كما أن هناك تطور كبير في التكنولوجيا جعل من السهل على هذه المكاتب إدارة الاستثمارات وتتبع الأداء المالي، فالتقنيات الحديثة تسمح بمراقبة كل التفاصيل المالية بسهولة، ما يجعل العمل أكثر كفاءة وشفافية.
ولا يجب أن نغفل عنصر الخصم الضريبي، فالتغييرات التي طرأت على القوانين الضريبية الأميركية عام 2017، إلى جانب بعض الأحكام القضائية مثل قضية عائلة ليندر، ساعدت في جعل المكاتب العائلية وسيلة فعالة لتقليل الضرائب، حيث يمكن خصم بعض النفقات الاستثمارية على مستوى المكتب العائلي بدلاً من تحميلها على الإقرارات الضريبية الفردية.
تكلفة إنشاء مكتب عائلي
تأسيس مكتب عائلي ليس بالأمر البسيط، فهو يتطلب ثروة كبيرة لتبرير التكلفة، بشكل عام، يحتاج تأسيس مكتب عائلي أحادي إلى أصول قابلة للاستثمار لا تقل عن 100 مليون دولار، ويفضل أن تكون 250 مليون دولار.
أما العائلات التي تمتلك ثروات أصغر، مثل 10 أو 25 مليون دولار، فيمكنها الانضمام إلى مكاتب عائلية متعددة تقدم خدمات مشابهة ولكن بتكلفة أقل.
تشغيل مكتب عائلي أحادي يكلف على الأقل مليون دولار سنويًا، وغالبًا أكثر، بالنسبة للمكاتب العائلية المتعددة، فإنها تفرض رسومًا تتراوح بين 0.5% و2% من قيمة الأصول المدارة، وفي بعض الأحيان، تُضاف تكاليف إضافية مقابل خدمات خاصة مثل إدارة الممتلكات أو الإشراف على السفر.
قصص نجاح للمكاتب العائلية
المكاتب العائلية ليست مجرد خدمات مالية، بل هي قصص نجاح تعكس التعاون بين الأجيال واستخدام التكنولوجيا لتعزيز الكفاءة.
مثال على ذلك شركة "كريسيت"، التي تأسست في شيكاغو على يد اثنين من خبراء الأسهم الخاصة لإدارة ثرواتهما الشخصية.
اليوم، وبعد سبع سنوات، أصبحت "كريسيت" واحدة من الشركات الرائدة، حيث تدير أصولًا بقيمة 60 مليار دولار بعد اندماجها مع مكتب عائلي آخر عريق.
في نيويورك، أطلقت كريستينا لويس مكتبًا عائليًا متعددًا يحمل اسم "بياتريس أدفايزرز". كريستينا، التي ورثت ثروة عائلتها من والدها رجل الأعمال الراحل ريجينالد لويس، واستثمرت في التكنولوجيا لتطوير منصات رقمية تعرض كل تفاصيل الثروة، من الأصول الاستثمارية إلى الممتلكات والملكية الفكرية.
الهدف، كما تقول، هو تمكين العملاء من فهم ثرواتهم وإدارتها بأنفسهم على المدى الطويل.
على الجانب الآخر، عائلة ليبتز تقدم مثالًا مختلفًا، إذ بدأت العائلة في إدارة ثرواتها بشكل مشترك عام 1997، بعد أن باع الأب شركته بمبلغ 205 ملايين دولار، وتطورت الإدارة العائلية لتصبح أكثر تنظيمًا، حيث أسس الابن مكتبًا عائليًا أحاديًا يدير استثمارات لثلاثة أجيال.
مستقبل المكاتب العائلية
رغم التقدم الكبير، لا تزال بعض المكاتب العائلية تواجه تحديات، خاصة تلك التي يديرها كبار السن، فالتكنولوجيا يمكن أن تكون أداة قوية لتسهيل العمل، لكنها تحتاج إلى تبني وتطوير مستمر.
ومثال على ذلك، جوش كانتر، الذي ورث إدارة مكتب عائلته بعد وفاة والده.، إذ واجه جوش صعوبة في تنظيم المعلومات والإفصاحن لذلك، قام بتأسيس شركة "ليف بلانر"، التي تقدم حلولًا برمجية تساعد العائلات على إدارة معلوماتها المالية بطريقة منظمة وسهلة.
ومع استمرار زيادة عدد العائلات الغنية، ومع تزايد الطلب على خدمات مخصصة ومتكاملة، يبدو أن المكاتب العائلية ستظل جزءًا أساسيًا من مستقبل إدارة الثروات