في أحد الفصول الدراسية في السعودية، ينهمك معلمو اللغة الصينية في شرح حروف لغتهم الأم لطلاب سعوديين يتطلعون بشغف لتعلم لغة تُعد بوابة إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، هذه المشاهد التي باتت مألوفة تعكس جزءاً من الجهود التي تبذلها الرياض، لتعزيز العلاقات الثقافية والتعليمية مع بكين، ضمن رؤيتها للانفتاح على العالم.
"فانغ" غادرت وطنها لتصنع مسيرتها من بين المعلمين الجدد الذين اختاروا العمل في السعودية، جاءت "فانغ" حاملة لغتها وثقافتها لتروي قصتها لـ "العربية.نت" تقول: "مجيئي إلى السعودية هي فرصة مهنية ممتازة، هذا البرنامج الحكومي يعزز العلاقات بين البلدين، ويتيح لي توسيع آفاقي المهنية والشخصية، ليس فقط سأكتسب خبرة في تدريس اللغة الصينية، بل سيضيف ذلك قيمة كبيرة إلى مسيرتي".
تحدثت فانغ دينغ التي تعيش في جدة عن تجربتها مع الطالبات السعوديات: "أكثر ما لفت انتباهي هو شغفهم الكبير بتعلم اللغة الصينية، في كل فصل، أرى حماسة واضحة من الطلاب للمشاركة في الأنشطة، حتى دون تشجيع مني، البعض منهم يتعلم مسبقاً بنفسه ويأتي إليّ ليُظهر لي ما تعلمه، وهذا شيء لم أره في دول أخرى".
تصف فانغ هذا الشغف بقولها: "الطلاب هنا مذهولون. دائماً ما يستقبلونني بحفاوة بالغة عند دخولي إلى الفصل، وأحياناً يقدمون لي هدايا صغيرة تعبر عن محبتهم. هذه التجربة جعلتني أشعر بامتنان كبير لعملي هنا."
موسى.. من تحديات التأقلم إلى شغف التعليم
يُعرف موسى في الصين باسم تشونغ زي تشنغ، فقد بدأ رحلته في العاصمة الرياض، حيث واجه تحديات التأقلم مع نظام تعليمي جديد وجسر الفجوة الثقافية، إلا أنه تفاجأ بحماس الطلاب السعوديين وإقبالهم على تعلم اللغة الصينية. يقول موسى: "أجمل لحظاتي كمعلم هي عندما أرى الطلاب ينطقون جملة صينية بسيطة ويفرحون بذلك. هذه اللحظات تجعلني أشعر بالرضا تجاه واجبي".
يرى موسى أن تجربة التعليم في السعودية تتجاوز حدود التدريس لتصبح تبادلاً ثقافياً بين البلدين. يقول: "هذه التجربة ليست فقط عن اللغة، بل عن فهم الثقافات، إنها فرصة لتعريف الطلاب بالتراث الصيني وفي الوقت نفسه التعرف على الثقافة السعودية".
"نعمة" غادرت الصين واحتضنها طلاب جدة
في جدة، بدأت نعمة رحلتها التعليمية قبل نحو ثلاثة أشهر، وفي حديثها لـ "العربية.نت" قالت "أنا أتقن اللغة العربية، ولكني أتحدث اللغة الفصحى، وعندما جئت إلى هنا وجدت أن السعوديين يتحدثون العامية، لكنني تأثرت كثيراً لأن الطلاب كانوا قادرين على فهمي والتحدث معي باللغة الفصحى".
تضيف نعمة: "أقضي كل يوم مع طلابي، أعلمهم اللغة الصينية، وهم يعلمونني اللغة العربية، في عطلات نهاية الأسبوع، كان الطلاب يأخذونني للعب، وكنت سعيدة جدًا هنا.
تقول نعمة: "طلابي جادون للغاية في تعلم اللغة الصينية، وبعضهم طلاب جامعيون يستعدون للدراسة في الصين. بعضهم يشاركون في أعمال التجارة الخارجية ومستعدون للذهاب إلى الصين لإجراء معاملات التجارة الخارجية".
"هناء" ترى في السعودية بيئة تعليمية متطورة
اكتسبت هناء خبرة واسعة من عملها السابق في جامعة الجوف ومعهد العلا للغات، تقول "وجدت في السعودية أصدقاء رائعين وفهماً أعمق لثقافة المجتمع العربي. البيئة التعليمية هنا متطورة جداً، وهذا يعكس الاستثمار الكبير الذي تبذله الحكومة السعودية في تطوير التعليم".
تشيد هناء بقرار إدراج اللغة الصينية في المناهج السعودية، قائلة: "هذه الخطوة تعكس التزام المملكة بتعزيز التنوع الثقافي وفتح آفاق جديدة للطلاب السعوديين. وفي الوقت نفسه، يجمع التعليم السعودي بين الثقافة التقليدية والتعليم الحديث لتنمية المواهب الشابة.
ويرى طلاب سعوديون أن قرار إدراج اللغة الصينية في المناهج التعليمية الذي جاء بمبادرة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان كان خطوة محورية، هذا القرار لم يعزز فقط التعلم، بل فتح أبواباً للتعاون بين البلدين في مجالات مثل التجارة، والاستثمار، والطاقة، والتعليم.
وتؤكد سامية المطيري، خريجة جامعة الملك عبد العزيز هذا العام، أن هذا القرار كان له أثر كبير في اختيارها لتخصص اللغة الصينية كمجال مهني. تقول: "عندما علمت أن ولي العهد اتخذ هذه الخطوة، أدركت أن هذا التخصص سيكون له مستقبل واعد".
150 مدرسة متوسطة من بينها 40 في الرياض
يقول ما يونغليانغ، أحد مؤسسي المعاهد التعليمية المتخصصة في تدريس اللغة الصينية: "تعلم اللغة الصينية لا يقتصر فقط على اللغة، بل يتعلق بفهم الثقافة، هذا يجعل الكتابة والتواصل أسهل وأكثر عمقاً".
ويشير يونغليانغ إلى أن هناك 175 مدرساً صينياً يعملون في السعودية، موزعين على 150 مدرسة متوسطة في 5 مناطق مختلفة منها 40 في الرياض، ذلك دون المعلمين الذين يدرسون في المعاهد والجامعات.
وأوضح أن اللغة الصينية تعتمد على الرموز بدلاً من الحروف، إذ يستخدم المتحدثون حوالي 3,000 رمز يومياً من أصل 5,000 رمز. النسخة المبسطة (الماندرين) هي الأكثر انتشاراً، بينما تُستخدم النسخة التقليدية في تايوان وهونغ كونغ وتُعد أكثر تعقيداً.
الجدير بالذكر يُعد تدريس اللغة الصينية خطوة هامة ضمن رؤية المملكة 2030، إذ تهدف إلى تمكين الأجيال القادمة من التواصل مع ثقافات جديدة وتوسيع آفاق التعاون مع أحد أكبر الاقتصادات العالمية.