في المقابلة التالية تفاصيل أكثر يقدمها لنا الزميل أيمن:
- كيف جاءت فكرة الانتقال إلى بيروت لإدارة التغطية المباشرة من الخطوط الأمامية؟
وصلتُ إلى بيروت قبل بدء توسع الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان بيوم واحد، أي يوم الأحد 22 سبتمبر، وكان هدف الزيارة إجازة لمدة أسبوع.. في يوم الإثنين الـ23 من سبتمبر ظُهرًا شنت إسرائيل سلسلة غارات عنيفة، استهدفت العشرات مما قالت إنها مواقع لحزب الله في عدد من المناطق اللبنانية.. حيث توجهتُ فورًا إلى مكتب قناتي "العربية" و"الحدث" في بيروت.. وبعد أن شعرنا أن تلك الأحداث ستشكل نقلة إلى مرحلة جديدة من الحرب بين حزب الله وإسرائيل، تواصلت مع الزملاء مديري أخبار "العربية" و"الحدث"، وبعد تقديم تقييم لمسار الأمور المتوقع اتُّخذ قرار من المدير العام بتوجه عدد من الزملاء في الرياض ودبي على وجه السرعة إلى بيروت، خوفًا من إقفال مطار رفيق الحريري، وهو المطار الوحيد في لبنان، بهدف الانضمام إلى فريق عمل القناتين المتواجد على الأرض منذ قرابة العام، والذي يعمل على مدار الساعة لتغطية الأحداث في أكثر من موقع من العاصمة بيروت وصولًا إلى القرى الحدودية.. حيث يوجد لدينا موقع ثابت هناك منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023.
- كيف يجري إعداد برنامج التغطيات اليومية؟ وعلى أي أساس؟
ساعات قليلة بعد الضربة المفصلية بمسار الحرب في 23 سبتمبر بات المشهد أكثر وضوحًا من حيث قدرتنا البشرية واللوجستية كفريق عمل سيهتم بتغطية الحرب على شاشتي "العربية" و"الحدث".. فالخطوة الأولى كانت اجتماعًا موسعًا ضم معظم الزملاء في فريق العمل من مراسلين ومنتجين، حددنا خلاله أهدافنا الأساسية وأولوياتنا في هذه التغطية (طبعا العامل الأمني الذي سيرد في أكثر من مكان في حديثنا هو الأولوية).. ثم انتقلنا إلى تحديد المناطق التي سنستطيع الوصول إليها والمكوث فيها.. من جنوب لبنان إلى البقاع مرورًا ببيروت وضاحيتها الجنوبية.. بحيث ستشكل هذه المناطق مسرحًا للعمليات العسكرية، لما تمثله من مناطق حاضنة لحزب الله ونشاطاته.. ثم انتقلنا إلى تحديد المستلزمات اللوجستية والتقنية للتغطية من معدات إلى أماكن سكن وصولًا إلى توزيع أسماء الزملاء المراسلين والموفدين وطريقة التناوب على العمل.
- كيف تحددون برنامج التغطية اليومية؟
تحديد برنامج التغطيات اليومية محكوم بأكثر من عنصر: الأول والأساسي هو العامل الأمني والسلامة العامة، فلم يكن القصف الإسرائيلي والتواجد على الجبهات (خصوصًا أنه في إحدى الجولات الإعلامية جنوب لبنان منذ أشهر استُهدف الموكب وسقط أحد الصواريخ على بعد أمتار من الزميلة ناهد يوسف) هو الهاجس الأمني الوحيد الذي واجهناه.. وإنما كان هناك عامل أمني داخلي لا يقل خطورة.. فحملات تحريض كبيرة تعرضت لها قناتا "العربية" و"الحدث" من جمهور حزب الله.. عمليات تهديد عديدة وممنهجة طالت الزملاء.. إضافة إلى إبلاغنا رسميًّا من حزب الله بعد محاولتنا التواجد ضمن جولة إعلامية كان ينوي تنظيمها في الضاحية الجنوبية أننا فريق غير مرحب به. هذا الوضع شكل المحرك الأساسي لدي، لأن الهدف كان "صفر مجازفة" بما هو ناتج عن الوضع الداخلي اللبناني.
العنصر الثاني هو عدم وضوح مسار الأمور.. فهناك حراك سياسي يجب مواكبته، وبالتالي نحتاج إلى مرونة بالحركة، لا سيما في العاصمة بيروت، كما أن هناك التطورات الميدانية والاستهدافات العسكرية التي أيضًا نحاول قدر المستطاع التواجد بأقرب نقطة إليها. وعليه فكثيرًا ما كان التوزيع المعتمد يتعرض لعمليات تبديل دائمة.
- يلاحظ المشاهدون هيمنة العنصر النسائي على التغطيات من خطوط النار، كيف تقيِّم أداء الزميلات؟
الزميلات شكلن العصب الرئيسي في فريق عمل قناتي "العربية" و"الحدث"، حيث إن أكثر من ثمانين بالمئة من الفريق كان من النساء. ولكن، حقيقةً لم أشعر في أي محطة أو موقف أنه يجب عليَّ أن نعدِّل أو نتراجع عن فكرة ستكون إضافة إلى الشاشة بسبب أن زميلة ما ستكون هي المتواجدة في الموقع أو على الدوام.
فلا توزيع ساعات العمل، إن كان نهارًا أو ليلًا، ولا المواقع التي توجَّهنا إليها كان يحكمها واقع أن الفريق بمعظمه من الزميلات.
مواقف كثيرة كنت أتدخل بشكل صارم لمنع زميلة من التوجُّه إلى مكان ما أو لتنفيذ تقرير ما أو متابعة قصة، ومعظم هذه المواقف كان سببها الواقع الأمني الداخلي الذي كنا نتعرض له.
بكل بساطة الزميلات كن نموذجًا في الاندفاع والشجاعة والمثابرة، طبعًا هذا أيضًا ينطبق على الزملاء الشباب الذين لا يمكن أبدًا عدم الوقوف أمام جهودهم الجبارة بإنجاح هذه التغطية.. وعند الحديث عن الزملاء أتحدث عن كامل فريق العمل من المراسلين والمنتجين والمصورين والفرق التقنية.
- ما الاحتياطات المتخذة من «العربية» لتأمين سلامة فريقها في لبنان خصوصا العاملين في الخطوط الأمامية؟
تغطية هذه الحرب، وكما أسلفت سابقًا، تنقسم إلى مستويين، الأول هو الاستهدافات الإسرائيلية الجوية والبحرية والبرية، أي قصف أهداف ومناطق، إضافة إلى إنذارات بالإخلاء، وهو ما يجري التعامل معه كسائر تغطيات الحروب والتي يتمتع الزملاء في "العربية" و"الحدث" بدراية عالية بها.
التوجيهات الإدارية من المدير العام إلى الزملاء إن في الرياض أو دبي أن أولوية الأولويات دائمًا وفي أي هي مهمة سلامة وأمن الزملاء، وإن كان ذلك على حساب المعلومة أو الخبر أو الصورة.
أما على مستوى التهديدات القادمة من الداخل اللبناني، فكان هناك قرار بعدم أخذ أي مخاطرة من خلال التنقل في مناطق قد تكون حساسة أمنيًّا، إضافة إلى التزام الزملاء في الرياض ودبي عدم تكليف الزملاء بأي مهمة قد تنطوي على بعض المخاطر، وأخيرًا من خلال احتياطات أمنية عبر التواصل مع الأجهزة الأمنية اللبنانية لتكون مسؤولة عن حماية المواقع التي نتواجد فيها على الأرض.
- كل الصحفيين المكلفين بالتغطية الميدانية تقريبًا من اللبنانيين، فكيف تجد أداء المراسل الحربي عندما ينقل الحدث من بلده؟
أن يكون فريق العمل خلال تغطية الحرب من البلد نفسه يحمل إيجابيات وسلبيات، السلبيات قد تكون مرتبطة بشكل رئيسي بالجانب العاطفي، لما تشكله الأحداث من تأثيرات نفسية على المراسل، فتؤدي بشكل -لا إرادي- إلى الابتعاد عن الحيادية والموضوعية، كذلك إمكانية التأثير على قراراته المهنية في بعض الأحيان.. أما الإيجابيات فتبدأ من معرفته للخارطة الجغرافية بالدقة، وهو موضوع مهم جدًّا في تغطية الحروب، إضافة إلى إلمام أكبر بتفاصيل الخلفيات السياسية لكل فريق، وأعتقد، وهو الأهم في هذه التغطية، معرفة الأرض، يعني طالما أن هناك خطرًا أمنيًّا داخليًّا فالمراسل أو الموفد يمكنه أن يؤمن البيئة أو الجو الآمن له، إن خلال تنفيذ الرسائل المباشرة أو التقارير أو الجولات الميدانية، وهذا بالطبع يكون أكثر صعوبة بكثير في حال كان المراسل من جنسية أخرى.