"الحديث عن سوريا كالمشي على الشوك" بهذه الكلمات يعبّر أستاذ علم الاجتماع السياسي الكويتي، الدكتور محمد الرميحي عن واقع الحالة السورية في خضم تطوراتها المتسارعة، إذ يقول بعد ملايين اللاجئين السوريين في الخيام أو مدن الصفيح، وعشرات الألوف في سجون تحت الأرض، تظهر من جديد "المسألة السورية" على السطح بقوة.
وفي الواقع، تفرض أحداث الحالة السورية معطيات جديدة تستوجب الإيضاح والتوقف بخاصة في إطار الموقف الخليجي الذي تظهر بيانات دوله الست حالة ارتياح تجاه المعطيات الجديدة من أجل بناء دولة وطنية.
في سياق الحوار يوضح الدكتور محمد الرميحي في حواره لـ"العربية.نت" بأن أغلب دول الخليج تنظر إلى الحالة السورية في خضم الأوضاع الراهنة "بتفاؤلٍ حذر وشيءٍ من التأني" فالدول الست بانتظار ما سوف تسفر عنه الإدارة الجديدة، فإن ذهبت نحو تجربة "الإسلام الحركي" في كل من مصر والسودان و تونس، فإن تلك التجربة مشوبة بالمخاطر، إن لم تكن مرشحة للفشل.
ويؤكد بأن ضرورة الواقعية السياسية تفرض على دول الخليج التواصل مع قيادة الإدارة السياسية الجديدة في سوريا، غير أن مستجدات الأحداث في سوريا لم تمنعنا من التركيز على واقع اهتمام دول الخليج في إطار "اقتصاد المعرفة"، بجانب هموم النخب الخليجية، وأخيراً تحديات دول مجلس التعاون الخليجي.
إلى نص الحوار:
تقول إن الحديث عن سوريا كالمشي على الشوك فبعد ملايين اللاجئين السوريين في الخيام أو مدن الصفيح، وعشرات الألوف في سجون تحت الأرض، تظهر من جديد "المسألة السورية" على السطح بقوة، ما تأثيرات الأحداث الراهنة في سوريا على دول الخليج؟
سوريا جغرافياً و سياسياً دولة مهمة للإقليم و بالتالي أتصور أنه يجب على دول مجلس التعاون مجتمعة بصفتها كتلة وازنة آلا تكرر ما حدث منها مع العراق، وقتها جاءت دول الخليج متأخرة.
في هذه اللحظة لا بد من القول تجاه المشهد السوري السياسي أنه "تفاؤل بحذر" هذه القراءة تستدعيها السرعة التي سقط فيها النظام، فلم يكن أحداً يتوقع سقوط نظام بشار الأسد في عشرة أيام ويذوب كل الجيش السوري والقوى المساندة للنظام، إذ إن هناك الكثير من "الغموض" وشح المعلومات فماذا حدث خلف الأبواب في الإقليم و مع الدول الكبرى مثلاً، قد يكون الوهن أصاب النظام ولم يكن يحتاج إلا للقشة كما يقول المثل العربي.
من جهة أخرى ما يتكشف من فضائع في سجون النظام التي يشاهدها العالم على محطات التلفزة حقيقة لا مجازاً "يشيب لها الصبيان" هذا هولوكوست و مذابح لابد وراءها أشرار مجردين من الإنسانية، لقد استخدم النظام القمع ليبقى و ساعده في ذلك مناصروه الاقليميون، لذلك فإن التغيير مرحب به.
في التجربة العربية الحديثة ليس كل تغيير وإن اعتقدنا انه أفضل سوف يصبح حقيقة أفضل، فالأنظمة القمعية تخلّف في النهاية صراع من نوع ما لا يستقر بسرعة و يمزق المجتمعات، غير أن أحد الإيجابيات لما يحدث في سوريا حتى الآن حرمان إيران من البقاء على ضفاف البحر المتوسط.
وهو فشل جديد لسياستها أيضاً القمعية – أي سياسة إيران - سواء في لبنان أو سوريا أو اليمن، إلى درجة أن المرشد علي خامنئي يقول علناً :علينا أن نتعلم من التجربة السورية" في إشارة إلى أن القمع قد يفيد لفترة ولكن سرعان ما تنتفض الشعوب، لقد ثبت (تقيح) الأنظمة ذات الطابع القمعي سقوط الأسد سقوط أول وآخر "جملوكية" أي جمهورية وراثية، التي كادت أن تتكرر في ليبيا و في اليمن و ربما في مصر على الأقل.
في الوقت ذاته هناك توافق خليجي على ضرورة عودة استقرار دمشق ومنع الانزلاق للفوضى.. كيف تقيم حالة التوافق تلك؟
دول الخليج تنظر في رأيي إلى المشهد السوري أو أغلبها بتأني بانتظار ما سوف تسفر عنه الإدارة الجديدة، فإن ذهبت مذهب تجربة "الإسلام الحركي" في كل من مصر و السودان و تونس، فان تلك التجربة مشوبة بالمخاطر، ان لم تكن مرشحة للفشل ، وخاصة في سوريا ذات المكونات الاجتماعية و العرقية و المذهبية المختلفة ، بعض الإشارات تقول انها مختلفة ،كما حدث في شبه التسليم والتسلم بين الإدارة السابقة واللاحقة ، وبعضها يقول إنها تحمل نفس التوجه عبر منظومة أشخاص الوزارة الجدية ، فد ضمت نفس الخلفيات و لم توزر امرأة.
تفرض الضرورة على دول الخليج التواصل مع قيادة الإدارة السياسية الجديدة في سوريا وهو أمر مهم للغاية من أجل تقديم ،النصيحة الأخوية الصريحة لهم، إذ إنه على القادة السياسية في سوريا آلا يبدأوا من الصفر في إطار التجربة والخطأ أو إعادة تدوير مقترحات ما كان يقترح لتأسيس حاضنة وطنية واسعة ممثلة لكل المكونات، فضلاً عن تصور خارطة طريق مع وضع زمن محدد، وتدارس معالم الدستور الجديد الذي تكون مفرداته متسقة مع التكوين السياسي والشعبي السوري وعصري مرن، مع التأكيد الصارم ع حيادية القوة العسكرية، وربما التفكير في شيء ما من الحكم المحلي، فضلاً عن أن تكون الدولة الجديدة دولة وطنية مدنية عادلة وهذا يحتاج إلى جهد وأيضاً زهد في السلطة.
لديكم جملة مخاوف في إطار الحالة السورية على غرار اللجوء إلى القمع، أو الصراع بين المكونات، ألستُ قلقاً من مدى خطورة انبعاث أفكار الإسلام السياسي مجدداً في سوريا؟
لقد فشلت أفكار "الإسلام الحركي" في بناء دول حديثة ، الإسلام دين وله تأثيره إنما لا يجوز في هذا العصر خلطة بالسياسة فالأخيرة لها أدواتها، فيها اجتهادات وأخرى مضادة و تحكيم العقل والمصالح أمر مهم لتحقيق الخير العام للشعوب.
التخفيف تدريجياً من الاعتماد على الدخل النفطي وتنويع الاقتصاد برأيك هل يعد هذا هو الهم الأكبر للقيادات والنخب في الخليج؟
هناك مطلب قديم ومتكرر للنخب الخليجية بخصوص تنويع الاقتصاد وحصل في بعضها التقدم في كل من السعودية و الإمارات وربما في عمان ، بقية الدول لا زالت في مكان التجربة، إلا أنه هدف مهم لاستدامة التنمية، غير أنه يحتاج إلى تعاون إقليمي جاد في الحقل الاقتصادي.
كيف تنظر إلى واقع اهتمام دول الخليج في إطار "اقتصاد المعرفة"؟
حقق التعليم في دول الخليج من حيث الكم تقدماً ملحوظاً .. لكن من حيث الكيف لا زالت هناك جهود يتوجب أن تبذل خاصة أن اقتصاد المعرفة ذاته يهتم في مسألة تجويد التعليم من حيث الكيف.
في سياق شرق أوسطٍ موبوء بالأزمات.. ما التحديات التي تحدق بأمن دول مجلس التعاون الخليجي؟
هناك تحديات يفرضها الواقعين الإقليمي والدولي على غرار طموحات بعض القوى الإقليمية الراغبة في التوسع، وبطبيعة الحال الأدلجة السياسية وتكريس الاستقطاب والتعصب، وهذه جملة عوامل تضعف منظومة الأمن الوطني الخليجي وتعرضه للخطر.
تنبئ التجربة العربية في العقود الأخيرة بأن الأمن الوطني يبدأ من الداخل، ما يعني التراضي السلمي بين مكونات المجتمع و العدل المنزه عن التحيز وتوفير حدٍ معقول من مستوى العيش، فضلاً عن التعامل بحسن الجوار حسب قواعد القانون العالمي دون أية طموحات للتوسع، نحن الآن في الخليج بحاجة ما إلى التنسيق، ووضع جدول أولويات متفق عليه فضلاً عن التنسيق في السياسة الخارجية.