في رحلة عبر الزمن، يكشف أستاذ الآثار والفنون الإسلامية، الدكتور علي مرزوق، عن عالم الوسوم التي تزين الإبل في شبه الجزيرة العربية، حيث تتجلى الروح الثقافية والفنية في كل علامة.
في حديثه مع "العربية.نت"، استعرض الدكتور مرزوق، التاريخ العريق لهذه الوسوم التي تعود إلى عصور ما قبل الكتابة، وكيف كانت تعبيراً عن الهوية والانتماء القبلي من النقوش الصخرية إلى الممارسات الثقافية، وتشكل الوسوم جسراً بين الماضي والحاضر، وتضيف بعداً جديداً لفهمنا للتراث العربي، فكيف استطاع إنسان تلك الأزمنة أن يخلد مشاعره وأفكاره على جلود الإبل، وما هي الدلالات الثقافية والفنية لهذه العلامات التي لا تزال حاضرة في الذاكرة.
يقول: الإنسان قديماً مارس الفنون منذ آلاف السنين قبل أن يعرف الكتابة والقراءة، فسجل همومه وانطباعاته واهتماماته على الكهوف، والواجهات الصخرية، سجلها التاريخ بمداد من ذهب، واستطاع إنسان شبه الجزيرة العربية أن يستلهم رسومه من بيئته، مسجلاً كل ما تقع عليه عينه لتكون أول حالة تسجيل ثقافي لما قبل التاريخ، وكشواهد فنية تستحضر البيئة والإنسان والحيوان، ومن ذلك "الوسوم" التي كانت تمارس في شبه الجزيرة العربية، بما تحمله من إرث ثقافي وتاريخي وحضاري.
الوسوم وأهميتها
ويذكر مرزوق أن من أهم نتائج بحثه العلمي حول "الرسوم الصخرية للحيوانات في المواقع الأثرية بالمملكة العربية السعودية" المنشور في المجلة السعودية للفن والتصميم بجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن أن هناك عددا من رسوم الجمال ظهرت مقرونة بالكتابات القديمة، والوسوم من حولها إما توقيعاً للرسام الصخري الذي نقش هذا الوسم، أو أنه رسم وسوماً تخص هذا الجمل المرسوم، أو كعنصر مكمل للرسم دون هدف محدد.
تاريخ ظهور الوسوم
ورغم هذا الظهور للوسوم على واجهات الصخور في شبه الجزيرة العربية إلا أن هذا السجل لم يقدم لنا دليلاً على تاريخ ظهور الإبل في شبه الجزيرة العربية، فهناك من يعتقد بأن أول ظهور لها كان قبل العصر البرونزي (3500 سنة)، وهناك من يرجح ظهورها إلى العصر الكالكوليثي (4500 عام)، أما تأريخ "الوسوم" فمن الصعب تأريخها بوقت محدد، إذ إنها استخدمت في بداية الأمر كرموز أو هوية للقبائل، ومن ثم استخدمت كعلامات للملكية.
وأضاف: الذي يظهر –كما تؤكده المصادر العلمية- أن الوسوم عُرفت من خلال الرسوم الصخرية قبل نحو أربعة آلاف عام؛ بما يؤكد العلاقة بين الوسوم والأبجدية العربية القديمة كالثموية، والنبطية، والمسند الجنوبي، فالأصل في هذه الوسوم إما أن تكون حروفا أو أرقاما استلهمها الإنسان -قديماً- من الكتابات العربية القديمة على الواجهات الصخرية في أماكن متفرقة من شبه الجزيرة العربية.
الوسوم في العصر الحديث
وبحسب الأبحاث العلمية فقد كُشف عن نحو 3900 وسم على الصخور في المملكة العربية السعودية ما زل بعض من هذه الوسوم -رغم قلتها- مستخدماً عند بعض القبائل السعودية؛ بما يؤكد الامتداد التاريخي لها؛ الأمر الذي جعل السعودية تهتم بالمواقع التراثية وفقاً لرؤية 2030، ومن ذلك إدراج موقعي "جُبة" و"الشويمس" للرسوم الصخرية بمنطقة حائل في عام 2015 ضمن قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو).
وسم إبل آل سعود
ويُعد وسم إبل آل سعود من أشهر الوسوم، ويتكون من حلقتين، ومطرق بينهما، موسومة على أعلى الفخذ الأيسر للإبل، ويُعرف باسم "الرديف".
أما عن الغرض من استخدام الوسم فيرى مرزوق أن الغرض منها كان إما هوية للقبيلة إذا كان منحوتاً على الصخر، أو إثباتاً للملكية إذا كان موسوماً على الإبل، أو توقيعاً لأفراد القبيلة إذا كان مختوماً على وثيقة، وقد يستخدم كحدود جغرافية للقبيلة.
بينما الوسوم على الولاء للقبيلة، وكبصمة لإثبات الملكية، إضافة إلى دلالات تؤكد على هجرة القبائل من مكان لآخر بحثاً عن الكلا والماء. ويستخدم الوسم الرئيس للقبيلة مع تحريف بسيط أو إضافة شاهد في موضع آخر على أجساد الإبل؛ ليمثل العشيرة أو الفخذ المتفرع من القبيلة، أو العائلة الممتدة.
الأعراف القبلية المتعلقة بالوسوم
ولأهمية الوسوم فإن الأعراف القبلية تحكمها، فلا يمكن خرق هذه الأعراف بأي حال من الأحوال، ومن ذلك عدم التعدي على الوسوم سواء بالإزالة أو التشويه، إضافة إلى عدم استنساخ وسم قبيلة اشتهرت بوسم ما، وفي حالة التشابه بين وسم وآخر - دون قصد - فإن الذي يميز بينهما اختلاف موضع الوسم على الإبل، فالأول يتم وسمه مثلاً على الرقبة، بينما الثاني المشابه له يوسم على الفخذ إما الأيمن أو الأيسر، أو أي موضع آخر من المواضع المشهورة لوسوم الإبل كالساق، أو البطن، أو الصدر، أو الرأس، الأنف، أو أسفل الأذن رغم حرمة ذلك، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وسم الدواب على وجوهها.
الأعمال الفنية المستلهمة من الوسوم
واختتم مرزوق حديثه بالتأكيد على أهم الأعمال الفنية التشكيلية التي استلهمت الوسوم والإبل، ومن ضمنها بعض من أعماله التي ينوي عرضها في معرضه الشخصي القادم، الذي سوف يستحضر فيه الوسم، وفق رؤية فنية مفاهيمية.
يُذكر أن وزارة الثقافة قد أطلقت مبادرة عام الإبل 2024 مطلع هذا العام للاحتفاء بالإبل باعتبارها من عناصر الهوية الثقافية السعودية، وشهد تنظيم العديد من الفعاليات والأنشطة الثقافية محليًا ودوليًا والتي تحتفي في مجموعها بالإبل وما يرتبط بها من ثقافة وموروث.