ما بين عامي 1654 و1660، عاشت القارة الأوروبية على وقع الحرب الإسبانية الإنجليزية التي اندلعت أساسا بسبب التنافس التجاري والاستعماري بين القوتين. إلى ذلك، امتد هذا الصراع نحو مناطق الكاريبي. وخلاله، حاول كلا الطرفين تقويض المصالح التجارية للطرف الآخر. من جهة ثانية، توسعت هذه الحرب بشكل سريع عقب تحالف الإنجليز مع الفرنسيين ضد الإسبان لتمتد بذلك مدة الصراع لسنوات أخرى وتنتهي بحلول 1670.
وفي خضم هذا النزاع، برز اسم القرصان الإنجليزي هنري مورغان (Henry Morgan) الذي عمل لصالح الإنجليز، بمجال القرصنة التفويضية التي مثلت قرصنة استندت إلى أوراق تفويض رسمية يحصل عليها القراصنة من عند دولة ما لمهاجمة سفن الدول التي تكون في حالة حرب مع صاحبة التفويض. وبالفترة الأخيرة من الصراع الإسباني الإنجليزي، قاد مورغان هجوما على مدينة بنما، التي مثلت أهم المدن الإسبانية بالقارة الأميركية، ودمرها بشكل كامل.
هجوم مورغان بالكاريبي
بدأ الإعداد للحملة العسكرية للقرصان هنري مورغان منذ شهر أبريل 1670 حيث وضع هذا القرصان المفوض بتلك الفترة خططه للتدخل ضد مدينة بنما التي وصفت من قبل كثيرين بأهم وأغنى المدن الإسبانية بالكاريبي. وبحلول شهر ديسمبر 1670، انطلقت سفن هنري مورغان من جزيرة السلاحف (Tortuga Island)، التابعة لهايتي الحالية، لتحل بجزيرة أولد بروفيدانس (Old Providence) التي انتزعت من الإسبان بخدعة.
وعقب تركها لعدد من الكتائب بالمنطقة، غادرت قوات مورغان جزيرة أولد بروفيدانس لتحل عند برزخ بنما وتنزل بحصن سان لورينزو (San Lorenzo).
وعلى إثر هجوم دموي، استولى هنري مورغان على الحصن لتواصل بذلك قواته طريقها عبر الغابات. وبعد حوالي أسبوع، عانت خلاله قوات مورغان من الجوع والهجمات الإسبانية، بلغ القراصنة ضواحي مدينة بنما.
تدمير بنما
بمعركة ماتا أسنيلوس (Mata Asnillos) خارج أسوار مدينة بنما، تمكنت قوات القرصان هنري مورغان من هزيمة الميليشيات الإسبانية. وعلى إثر ذلك، اجتاح القراصنة مدينة بنما يوم 28 يناير 1671 ونهبوها قبل أن يعمدوا لإحراقها وتدميرها بالكامل. لاحقا، واصل القراصنة طريقهم وأغاروا على بقية الجزر القريبة من بنما ونهبوا ما استطاعوا من الغنائم.
وعلى الرغم من كثرة الغنائم التي نهبوها، كان صافي دخل كل قرصان من قراصنة مورغان ضعيفا بسبب كثرتهم حيث اعتمد الأخير بهذه الحملة على بنما على ما يقارب 1400 قرصان.
إلى ذلك، خلفت هذه الحملة خسائر بشرية ومادية جسيمة بالنسبة للإسبان. فبينما خسر مورغان نحو 200 رجل بين قتيل وجريح، خسر الإسبان أكثر من ألف جندي بين قتيل وجريح، كما أسر القراصنة حوالي 600 شخص من المدنيين والعسكريين الإسبان. من جهة ثانية، تراوحت الخسائر المادية الإسبانية، عقب حرق مدينة بنما، بين 11 و18 مليون بيزوس (pesos). وبالسنوات التالية، اضطر التاج الإسباني لدفع قسم من الأموال لإعادة بناء المدينة.
مع عودته لجامايكا، حصل هنري مورغان على معلومات حول توقيع الإنجليز والإسبان لاتفاقية سلام منذ يوليو 1670. وأمام هذا الوضع، أصر القرصان مورغان على عدم معرفته بالأمر أثناء حملته على بنما. كعقاب له، اعتقل هنري مورغان وأرسل نحو إنجلترا أين سجن لوهلة قبل يكرم ويعين فيما بعد حاكما على جامايكا.