لم يَدُرْ في خَلَد الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرؤساء التنفيذيون لشركات "أوبن إيه.آي" و"سوفت بنك" و"أوراكل"، عند إعلان مشروع "ستارغيت" للذكاء الاصطناعي بتكلفة نحو 500 مليار دولار منذ أيام، أن نموذج ذكاء اصطناعي صيني سيكبد أسهم شركات التكنولوجيا الأميركية خسائر ضعف هذا الرقم بلغت نحو تريليون دولار.
أسقط تطبيق "ديب سيك" الصيني درة تاج الأسواق الأميركية ممثلا في قطاع التكنولوجيا وكبده خسائر فادحة يوم أمس الاثنين، تصدرتها شركة إنفيديا بخسائر في قيمتها السوقية نحو 593 مليار دولار، وهي أكبر خسارة يومية في تاريخ السوق الأميركية لتتراجع إلى المركز الثالث كأكبر قيمة سوقية عالمية بين الشركات بنحو 2.9 تريليون دولار، وفق بيانات "كوين ماركت كاب".
مؤسس "ديب سيك"
رجل واحد كان هو المسؤول في الغالب عن تلك الخسائر هو ليانغ وينفينغ، المؤسس المشارك لصندوق التحوط الكمي الصيني "High-Flyer Quant" وأعمال مختبر الذكاء الاصطناعي "DeepSeek".
بدأ ليانغ في عام 2021، شراء آلاف شرائح "Nvidia" كجزء من مشروع جانبي للذكاء الاصطناعي، ثم أطلق "DeepSeek" في عام 2023. وقال عنه أحد شركائه التجاريين لصحيفة فايننشال تايمز: "عندما التقينا به لأول مرة، كان رجلاً غريب الأطوار للغاية ذو تسريحة شعر رهيبة يتحدث عن بناء مجموعة مكونة من 10 آلاف شريحة لتدريب نماذجه الخاصة. لم نأخذه على محمل الجد". "لم يستطع التعبير عن رؤيته بخلاف قول: "أريد بناء هذا، وسيكون تغييرًا كبيرًا". كنا نعتقد أن هذا ممكن فقط من عمالقة مثل بايت دانس وعلي بابا".
قلبت "ديب سيك" المعادلة رأسا على عقب، وفق المدير الشريك في "VentureX"، يوسف حميد الدين، مضيفاً: "قبل أسبوع كان الرئيس ترامب في حديث وسام ألتمان والكل بجانبه للإعلان عن استثمار 500 مليار دولار في الـ AI لتطويره وتعزيزه السيادة والقيادة الأميركية في تطوير الذكاء الاصطناعي عالمياً، وبعد أيام يصبح الوصول إلى قدرة لـ"AI" أن يتحدث مثل "chatGPT" لا يحتاج إلى فترة طويلة بل أصبح ممكناً في غضون أيام، وبدلاً من كلفة مليارات الدولارات أصبحت الكلفة أقل من 6 ملايين دولار".
يصف حميد الدين، ما حدث بـ"يجعل سره في أضعف خلقه"، حيث خلقت "ديب سيك" تحدياً كبيراً أمام الولايات المتحدة لإعادة تطوير الذكاء الاصطناعي"، متسائلاً هل سيكون تعاطي أميركا وتعاملها مع الإبداع والابتكار الصيني دائما من خلال الحجب أو المنع" مثل ما حدث مع شركات "هواوي" و"تيك توك" مع الاستخدام المتسارع للتطبيق الصيني داخل وخارج الولايات المتحدة.
جاءت صدمة الأسواق الأميركية في وقت تعمل فيه إدارة الرئيس ترامب على استحواذ أميركا على 50% من تطبيق تيك توك الصيني في الولايات المتحدة وسط صمت صيني على حديث ترامب المتكرر عن شركات أميركية ستستحوذ على حصة في التطبيق.
تزامن مع ذلك هدم تطبيق "ديب سيك" الصيني تصور نتج عن تطوير شركة "أوبن إيه.آي" نماذج ذكاء اصطناعي تتكلف مئات الملايين من الدولارات وتحتاج رقائق إلكترونية متطورة جداً تمتلكها شركة إنفيديا، وفق المدير التنفيذي لشركة أوبتوماتيكا الدكتور محمد البلتاجي.
بحسب البلتاجي في مقابلة مع "العربية Business"، فإن ذلك التصور صاحبه حظر الولايات المتحدة تصدير الرقائق الأكثر تطوراً من شركة إنفيديا إلى الصين، وبالتالي وجدت الشركات الصينية نفسها تعمل برقائق أضعف كثيراً وكما يقال "الحاجة أم الاختراع" وتوصلت شركة ديب سيك الصينية إلى العمل برقائق رخيصة التكلفة وتعتبر قديمة نسبياً من شركة إنفيديا وتوصلت لنتائج مشابهة لشركة "OpenAI".
وأضاف البلتاجي، في مقابلة مع "العربية Business"، أن النموذج الجديد كلف الشركة الصينية 6 ملايين دولار فقط بينما نماذج OpenAI تكلفها نحو 500 مليون دولار، وهو فارق كبير جداً، والنموذج بالمجان وكذلك سيكون رخيص جداً للشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي.
ما هو "ديب سيك"؟
و"DeepSeek" هو نموذج "لغة كبيرة" صيني، وما أثار الاهتمام حوله هو إصدار "R1" منه، الذي تم الكشف عنه مؤخرًا، ويمتاز بقدرته على التدريب ذاتيًا دون الحاجة لإشراف بشري.
ولدى "DeepSeek" العديد من الميزات التي ترجح كفته عن "شات جي بي تي"، أولها أنه متوفر حاليًا بالمجان لكل المستخدمين، مقارنة باشتراك بقيمة 20 دولارًا للنسخة المتميزة من "شات جي بي تي".
وتفوق نموذج "DeepSeek-R1"، الذي أطلقته الشركة في ديسمبر، على روبوت الدردشة الشهير "شات جي بي تي" من شركة "OpenAI"، وتخطاه في عمليات التحميل على متجر تطبيقات "App Store" التابع لشركة أبل.
وأصبح "DeepSeek-R1" محل اهتمام كونه نموذج للاستدلال مفتوح المصدر، وبعدما قالت الشركة إنها طورته في شهرين وبتكلفة تقارب 6 ملايين دولار فقط.
وفيما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إطلاق مشروع "ستارغيت" للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي بتكلفة 500 مليار دولار، قال الدكتور محمد البلتاجي، إن السؤال الذي يطرح نفسه بعد مشروع "ستارغيت" ونموذج "ديب سيك"، هو: هل الفيصل في التحدي هو حجم الاستثمارات أم التركيز على الإبداع! التحدي هنا ليس بين دول، ولكنه بين أساليب مختلفة لبناء هذه النماذج المتطورة، وأيضاً بين نموذج مفتوح وآخر باشتراك مدفوع.
حرب الشرائح
وفي حرب الشرائح الإلكترونية المتطورة؛ يبدو أن الشركات الصينية تجاوزت العقوبات الأميركية، وبينما كانت الولايات المتحدة تسعى جاهدة لمنع الصين من الوصول إلى تكنولوجيا الشرائح بحجم 14 نانومتر، إذ تخطت الصين هذه العقبة بشكل ملحوظ. وتشير التسريبات إلى أن "هواوي" قد حصلت على الشرائح بشكل سري من "TSMC"، التي تعمل مع شركات أميركية بارزة مثل إنفيديا وأبل وكوالكوم. حيث استخدمت "هواوي" شرائح 7 نانومتر التي تم استخدامها في هاتفها Mate 60 Pro.
وكان تصريح لمسؤول صيني بشأن قدرة شركة شاومي للسيارات الكهربائية على إنتاج شريحة بحجم 3 نانومتر، قد أثار جدلاً كبيرًا، في أكتوبر الماضي.