تتحول الأفكار إلى فيروسات معلوماتية تنتشر بسرعة الضوء عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ليظهر مفهوم العقل الجمعي كمخلوق غامض، يتأرجح بين عبقرية الجماعة و جهلها المتأصل.
هل هو حقاً ذكاء جماعي يمكن أن يحل أكثر المشاكل تعقيداً، أم هو أوهامنا الجماعية التي تدفعنا نحو الخطأ؟!
العقل الجمعي يثير الأمل في أن يكون جمع العقول أفضل من الفرد الواحد، لكن الواقع يظهر أنه في كثير من الأحيان، ينتج عنه قرارات غير حكيمة، فالأفكار التي تُطهى بسرعة غالباً ما تكون سطحية و غير ناضجة، فهي بمثابة الأوراق المتساقطة بعد عاصفة فكرية.
تأثير القطيع يجعل الناس يتبعون الجماعة دون تفكير ، فنجد واحد يقدم فكرة، و بسرعة تتبنى الجماعة هذه الفكرة، ليس لقيمتها الحقيقية بل لأنها أول ما وصل إلى الجميع ، و هذا يجعل الجماعة تتبع بشكل أعمى، يسيرون جميعاً نحو الهاوية دون توقف للتفكير.
التحيزات الشخصية و الاجتماعية تُعمي العقل الجمعي، حيث يُرى فقط ما يريد رؤيته ، و هذه التحيزات تجعل الجماعة ترفض الأفكار التي تخرج عن النطاق الضيق لمعتقداتها، مما يؤدي إلى قرارات ملوثة بالتعصب و غير مستنيرة بالوعي.
من ناحية أُخرى، تنتشر الأخبار الزائفة بسهولة، مستفيدة من الزخم الجماعي ، و العقل الجمعي بدلاً من أن يكون مفلتراً للحقيقة، أصبح صدى لصوت الوهم العالي . هذا يُثبت أن العقل الجمعي ليس بالضرورة أن يكون ذكياً بما يكفي لتمييز الحقيقة عن الكذب.
عندما يكون الجمع في عجلة من أمره، تكون القرارات سريعة و سطحية، بناءاً على ما يُسمع أو يُرى في اللحظة دون تحليل أو تفكير نقدي. العقل الجمعي هنا يفتقر إلى القدرة للوصول للحلول العميقة في وقت قصير و تحت تأثير و ضغط الحدث ، فنجده راضياً الحل السريع التي يُرضي الجميع للحظة الأولى و كأنه طوق نجاة.
كذلك يلعب الخوف من الانفصال عن الجماعة يجعل الأفراد يتقبلون أفكاراً ليست بالضرورة صحيحة أو مفيدة بل تلك التي تجعلهم مقبولين في الجماعة. هذا الخوف يدفع العقل الجمعي إلى التبني لما هو شائع دون تحليل دقيق أو نقد موضوعي.
لكن، هل يمكننا أن نقول بأن العقل الجمعي غبي بالكامل؟!
العقل الجمعي ليس بالضرورة أن يكون غبياً، لكنه يمكن أن يكون كذلك إذا لم يتم تعزيزه بالتفكير النقدي، التعليم الجيد، والوعي بالتحيزات و الأخبار الزائفة. إذا تمكنا من تحويل هذا العقل من كونه جهلاً مجسداً إلى قوة عقلانية، فسنكون قد استثمرنا في أكبر مورد لدينا بطريقة تحمل وعداً حقيقياً بالتقدم للأفضل.