يومَ أَطلقتُ أول نشرة إخبارية على شاشة «العربية»

دلفت باب شقتي بُعيد الثامنة من مساء الثاني من مارس 2003 لأجد رسالة على جوالي تطلب مني وبشكل عاجل الاتصال بمدير أخبار القناة للضرورة القصوى، فقد كان ذلك اليوم طويلًا جدًّا (منذ الخامسة فجرًا) وحافلًا بالمستجدات والتحضيرات التي تجرى على قدم وساق منذ أكثر من سبعة أشهر، إيذانًا بانطلاق قناة «العربية».

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

"أنتَ ستفتتِح القناة غدًا وتُطلق أولَ نشرة إخبارية".. بهذه العبارات أجابني فور اتصالي به، طالبًا مني النوم باكرًا والتحضير الجيد للغد، فما كان مني سوى ترداد ما تقوله أسمهان في مطلع أغنيتها: "أين الليالي اللواتي سببت سقمي.. يا ليلةً بعدها عيناي لم تنمِ" إذ تقلبت في فراشي حتى الفجر وأنا أحاول السيطرة على هواجس ومخاوف نبّتت ليلتها في مخيلتي كالفطر.


استيقظت في الصباح متأخرًا على غير عادة، فطالعني كمٌّ هائلٌ من الرسائل النصية القصيرة (إس. أم. إس) (لم يكن العالم قد دخل يومها الثورة الرقمية لتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي) لزملاء وأصدقاء معظمهم ترك القناة لاحقًا، وبعضهم رحل إلى رحاب المولى، يشدون على أزري ويتمنون لي كل التوفيق، الأمر الذي زادني قلقًا على قلق، نظرًا إلى حجم المسؤولية المُلقاة على عاتقي، إذ لم أكن قد تجاوزت حينها السابعة والعشرين من عمري.


وصلتُ إلى القناة ظهر الثالث من مارس، وقد كان الكل في حالة استنفار إعلامي شاملة؛ من رجال الأمن على المدخل الرئيسي مرورًا بكل الزملاء العاملين في مختلف الأقسام، وصولًا الى رئيس وأعضاء مجلس الإدارة والأمناء؛ حتى المقاعد وفناجين القهوة تراءت لي وكأنها تتحرك ذهابًا وإيابًا كبندول ساعة قديمة.
بعد اجتماع مطول مع المنتج والمخرج، قال لي مدير الأخبار بتودد: "إنها لحظة فارقة في حياتك وفي مسيرتك الإعلامية، فكُن على مستوى الآمال".. فاستأذنته أن أقوم بكتابة المُقدمة الأولى لانطلاق القناة فوافق على الفور، لكنه طلب الإيجاز.


في تمام الثانية بعد ظهر الثالث من مارس من عام 2003 انطلقت القناة بتلاوة مباركة من الذكر الحكيم، ثم بمقدمة موجزة كتبتها بيدي وختمتها بالقول: "سنكون معكم لتغطية الخبر من كافة جوانبه، لتكونوا جزءًا مما يجري، وأقرب إلى الأحداث في قناة تسعى لتكون أقرب إلى الحقيقة وإضافةً نوعيةً على المشهد.. فـ "العربية" لن تكون أبدًا رقمًا زائدًا في فضاء الإعلام العربي والدولي، والله ولي التوفيق.. الآن إلى النشرة الأولى وهذه عناوينُها".


منذ ذلك اليوم تغيرت حياتي بشكل لا يتسع المقام لشرحه وعلى جميع المستويات الشخصية وكذلك المهنية؛ فـ «العربية» أدخلتني بيوت ملايين المشاهدين لأستوطن قلوب الكثيرين ممن لا أعرفهم ولا يعرفونني إلا عبر أثير "العربية".


تُعلِّمُكَ «العربية» أن السؤال أهمُ من الجواب، فالأسئلة لها عيونٌ مُبصرة، أما معظم الأجوبة فعمياء أو مُحضَّرة سلفًا، والباحث عن الخبر يجب أن يعرف كيف يسأل.
تُعلِّمُكَ «العربية» أن تظل في حالة بحث دائم وتساؤل قلق عن الحقيقة، فما مِن أحد يمتلكها مهما ادعى، وجُلُّ ما نسعى إليه هو أن نكون أقرب إلى هذه الحقيقة- حمالةِ الأوجه على الدوام.
تُعلِّمُكَ «العربية» أن تسأل ثم تسأل في محاولة الوصول إلى طرف الخيط لأن تعرف أكثر، بعيدًا عن الأفكار المُعلَّبة والشموليات المؤدلجة، فالوجود البشري برمته ما هو إلا تساؤلٌ دائم وتوقٌ لا متناهٍ نحو المعرفة.


تُعلِّمُكَ «العربية» أن لا أحد فوق النقد؛ حتى قناة العربية نفسها؛ هي مادةٌ جدلية للنقد. والنقد ظاهرة صحية ومطلوبة لأنها تعبيرٌ صادق عن تحليل "الظاهرة" بطريقة علمية.
تُعلِّمُكَ «العربية» أن البونَ شاسعٌ بين النجومية والشهرة، لأن النجومية تستند إلى كاريزما وموهبة حقيقية وإنجازات تُخلِّد صاحبها في عالم العصر الرقمي المتخم بالمشاهير المُتشابهة مما هبَّ ودبَّ. فكلُّ نجمٍ مشهورٌ حُكمًا، لكن ليس كلُّ مشهورٍ نجمًا.


تُعلِّمُكَ «العربية» أنه لزامٌ عليكَ تضييق المساحة الفاصلة بين الموضوعية والمهنية بغية إعطاء المشاهد خيارًا حُرًّا للتفكير توخيًا للدقة في طريق البحث عن الحقيقة.
ها أنا الآن قد طرقتُ باب كهولتي، وذَرّفَتْ سنواتُ العمر على الخمسين وما زلت وعبر "العربية" أسأل، ثم أسأل، وأعيد الكرة يومًا بعد يوم، أطل على الناس بعينين ملؤها التساؤل والشك في محاولة للفهم وبحثًا عن عُملة نادرة اسمها الحقيقة، وما زال في القلب مكانٌ ومُتَّسع.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط