شهدت كندا تحولًا سياسيًا بارزًا بوصول مارك كارني إلى الحكم، ليصبح خليفة جاستن ترودو وزعيم الحزب الليبرالي ورئيس الحكومة الكندية.
كارني ليس مجرد سياسي، بل هو خبير اقتصادي من الطراز الأول، حيث قاد مؤسسات مالية كبرى خلال أصعب الأوقات، فقد شغل منصب محافظ بنك إنجلترا أثناء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وكان أيضًا محافظ البنك المركزي الكندي خلال الأزمة المالية العالمية.
يقف كارني اليوم في مواجهة واحدة من أكبر التحديات السياسية والاقتصادية: السياسات التجارية للرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، الذي لطالما سعى لفرض هيمنته الاقتصادية على كندا.
في أول خطاب له بعد توليه المنصب، وجّه كارني رسالة حادة إلى ترامب، مؤكدًا أن كندا لن تكون جزءًا من الولايات المتحدة "بأي شكل من الأشكال". كما استخدم الرياضة كسلاح رمزي في خطابه قائلاً: "سنفوز عليك في التجارة كما تفوز كندا دائماً على أميركا في لعبة الهوكي".
ويعكس هذا التصريح الناري توجهًا جديدًا للسياسة الكندية في ظل قيادته، حيث يتعهد بمواجهة الضغوط الاقتصادية الأميركية، لا سيما الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب بنسبة 25% على المنتجات الكندية.
وقد تؤدي هذه الإجراءات إلى زيادة التضخم، تباطؤ الأعمال، وارتفاع معدلات البطالة، مما يضع أي زعيم كندي أمام تحدٍّ كبير في ظل حرب تجارية غير متوقعة.
لكن كارني، بخبرته العميقة في إدارة الأزمات الاقتصادية، يبدو مستعدًا لهذه المواجهة. فخلال حملته الانتخابية، ركّز على قدرته على التعامل مع التحديات الاقتصادية العالمية، وهو ما جذب الناخبين الليبراليين ودفعه إلى قيادة البلاد.
كما أظهر كارني دهاءً سياسيًا واضحًا حين استغل التخبّط في إدارة ترامب، التي سرعان ما تراجعت عن فرض الرسوم وأجلتها لمدة شهر كامل بعد ضغوط من قطاعات حيوية داخل الولايات المتحدة، مثل السيارات والزراعة. وإمعانًا في المواجهة، أكد كارني عزمه على الإبقاء على الرسوم الانتقامية التي فرضتها كندا على المنتجات الأميركية، معلنًا: "سأفعل ذلك حتى يظهر لنا الأميركيون الاحترام ويلتزمون بالتجارة الحرة والعادلة".
كما ألمح كارني إلى تعزيز علاقات بلاده التجارية مع شركاء موثوق بهم بعيدًا عن الضغوط الأميركية، بهدف تحويل الاقتصاد الكندي إلى الأقوى بين مجموعة الدول السبع الكبرى.
يبدو أن حقبة جديدة قد بدأت في العلاقات الكندية-الأميركية، حيث يقف كارني كخصم شرس أمام طموحات ترامب التجارية. فهل يكون هذا التحول بداية لمواجهة أوسع بين الدول التي ترفض الهيمنة الاقتصادية الأميركية؟ وهل ينجح كارني في حماية المصالح الكندية وسط هذه الحرب التجارية؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.