سجّل الاستهلاك والإنتاج الصناعي في الصين نمواً يفوق التوقعات في بداية العام، ويأتي هذا الانتعاش في وقت تواجه فيه الصادرات الصينية تهديدات من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على أكبر دولة تجارية في العالم.
وارتفعت مبيعات التجزئة بنسبة 4% في الفترة بين يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفقاً لما أعلنه المكتب الوطني للإحصاء في 17 مارس/آذار، متجاوزةً توقعات الاقتصاديين ومتسارعةً من نسبة 3.7% المسجّلة في ديسمبر/كانون الأول، بحسب ما نقلته وكالة "بلومبرغ" واطلعت عليه "العربية Business".
كما ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 5.9%، متجاوزاً التقديرات المتوسطة في استطلاع أجرته "بلومبرغ" لمحللين اقتصاديين. أما استثمارات الأصول الثابتة، فقد نمت بنسبة 4.1%.
وأوضحت كبيرة الاقتصاديين في "بنك أوف أميركا" هيلين تشياو، أن بيانات التجزئة جاءت "ضمن نطاق مريح"، مما يشير إلى أن مزيداً من التحفيزات الاقتصادية قد يكون ضرورياً، لكنها ليست ضعيفة إلى الحد الذي يثير القلق قبل تدخل السياسات الاقتصادية.
وتعكس هذه الأرقام أوضح صورة حتى الآن عن أداء ثاني أكبر اقتصاد في العالم منذ أن بدأ ترامب جولة جديدة من الحرب التجارية. وتقوم الصين بدمج بيانات شهري يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط لتجنب التشوهات الناجمة عن اختلاف توقيت عطلة رأس السنة القمرية.
وقال المكتب الوطني للإحصاء إن الاقتصاد الوطني حافظ على زخم التطور الإيجابي الجديد، لكنه حذّر من أن "البيئة الخارجية تزداد تعقيداً وصعوبة، والطلب المحلي لا يزال ضعيفاً، وتواجه بعض الشركات صعوبات في الإنتاج والتشغيل، كما أن الأسس اللازمة لتعافٍ اقتصادي مستدام ليست قوية بما يكفي.
وقال بيلي ليونغ، استراتيجي الاستثمار في "Global X ETFs"، إن رد فعل السوق كان فاتراً تجاه "الصورة المتباينة" التي عكستها البيانات، مشيراً إلى أن المستثمرين "كانوا يأملون في مزيد من التحفيزات من الحكومة.
ويُعَدّ تعزيز إنفاق المستهلكين مفتاحاً لمواجهة السياسات الأميركية التي تقلب موازين التجارة العالمية وتؤدي إلى تباطؤ الصادرات الصينية، التي ساهمت بنحو ثلث النمو الاقتصادي للبلاد في عام 2024.
وأشارت كبيرة الاقتصاديين الصينيين في "BNP Paribas" جاكلين رونغ، إلى أن تقديم الصين شحنات ضخمة من الصادرات في بداية العام ساعد في دعم الإنتاج الصناعي، حيث بلغت الصادرات رقماً قياسياً بلغ 540 مليار دولار أميركي في أول شهرين من العام.
وأضافت رونغ: "في المستقبل، سيظهر تأثير الرسوم الجمركية على الصادرات عاجلاً أم آجلاً، ولا شك أن المخاطر السلبية على الصادرات ستتضح".
وأطلقت الحكومة الصينية خطة عمل خاصة تهدف إلى تحفيز الاستهلاك المحلي خلال عطلة نهاية الأسبوع، في أحدث جهودها لتعزيز الطلب المحلي، وهو ما تعتبره المهمة الاقتصادية الأهم لعام 2025، إذ تسعى لتحقيق مستهدف نمو طموح يبلغ حوالي 5%.
ورغم ذلك، لا تزال مكاسب مبيعات التجزئة أبطأ من نمو الإنتاج الصناعي، وهو تباين ظل واضحاً طوال عام 2024. وعاد نشاط المصانع الصينية إلى التوسع في فبراير/شباط، وفقاً لمؤشر مديري المشتريات الصناعي الرسمي الصادر في وقت سابق من مارس/آذار.
ومع ذلك، يبدو أن الاقتصاد الاستهلاكي بدأ في الاستقرار بعد فترة تباطؤ، حيث حفّزت الإعانات الحكومية المستهلكين على شراء الهواتف الذكية والأجهزة المنزلية والسيارات، كما شهدت عطلة رأس السنة الصينية القمرية في فبراير/شباط إنفاقاً سخياً من قبل المصطافين.
وقال كبير الاقتصاديين في بنك "DBS" ناثان تشاو، إن البيانات تشير إلى أن الاقتصاد بدأ في الوصول إلى نقطة استقرار.
وأضاف: "هذه الأرقام تعدّ إيجابية بلا شك، وينبغي أن تمنح التعافي الاقتصادي مزيداً من القوة والاستدامة، بدلاً من أن يكون مجرد موجة انتعاش مدفوعة بأخبار السياسات والتحفيزات المؤقتة".