قبيل انطلاق المحادثات بين إيران والولايات المتحدة، اليوم السبت، في عمان، عاد الحديث مجدداً إلى تجارب التفاوض الإيرانية خلال العقدين الماضيين، وفي هذا السياق حظي كتاب "قوة التفاوض" لوزير الخارجية الإيراني الحالي ونائب وزير الخارجية الأسبق عباس عراقجي، باهتمام خاص بوصفه محاولة لتدوين المبادئ والخبرات التفاوضية الإيرانية، استنادا إلى تجربته الشخصية.
فقد صدر الكتاب في مايو 2024 ويتكون من 204 صفحات، يتناول خلالها أساسيات ومراحل التفاوض السياسي والدبلوماسي، إلى جانب عرض وقائع وأمثلة من المفاوضات النووية السابقة.
وقسم إلى ستة فصول، تشمل ماهية وطبيعة التفاوض السياسي، أنواع التفاوض السياسي، التفاوض السياسي والقوة الوطنية، مراحل وتقنيات التفاوض ومتطلباته، المفاوض – الدبلوماسي و"أسلوب البازار" – النمط التفاوضي الإيراني.
محتوى الكتاب
في حين أكد عراقجي في مقدمته أن الحوار كان دائماً الوسيلة الأساسية لإنهاء الحروب وتحقيق الانتصارات أو التخفيف من تبعات الهزائم، ويرى أن القدرة على إدارة الحوار تُعدّ من ركائز القوة الوطنية، وأن القوة الوطنية لا تقتصر على الموارد المادية فحسب، بل تشمل أيضاً الشرعية الشعبية والكرامة الوطنية والاستقلال والتأثير الإقناعي.
كما ركزت الفصول الأربعة الأولى من الكتاب على الأطر النظرية لعلم التفاوض، من حيث أنواعه وأهدافه ومراحله، مستعيناً بنماذج من التجارب العالمية، أما الفصل الخامس فيعرض مواصفات المفاوض الجيد، مشدداً على أهمية المهارات الشخصية والمعرفة العميقة بثقافة الطرف الآخر.
"أسلوب البازار": النمط التفاوضي الإيراني
أما في الفصل السادس فوصف عراقجي ما يُعرف بـ"أسلوب البازار" في التفاوض، وهو النمط الذي اشتهرت به إيران، لا سيما خلال المحادثات النووية، ويرى أن هذا الأسلوب يتمثل في الإصرار على المواقف، وكثرة المساومات، والانتقال البطيء نحو الحلول الوسط.
ففي أسواق البازار الإيرانية، حيث التجار المخضرمون يساومون على الأسعار، لا يبدأ المفاوض بالمبلغ الحقيقي الذي يريد الحصول عليه، بل يضع رقمًا أعلى ليخلق مساحة للتفاوض، حسب عراقجي الذي دون في كتابه أن العديد من الغربيين شبّهوا هذا الأسلوب بتكتيكات باعة السجاد في بازار طهران، معتبرين أنه يقوم على استنزاف الطرف المقابل بالتفاصيل والتعديلات المتكررة.
وقد وثق عراقجي، وزیر خارجية إيران وأحد الشخصيات المحورية في هذه المفاوضات وكبير المفاوضين النوويين الإيرانيين، هذه التجارب في كتابه "قوة التفاوض"، والذي يوضح كيف تتداخل الحكمة التجارية للبازار مع فنون الدبلوماسية الحديثة.
ومن أبرز الأمثلة التي سردها على نتائج هذا الأسلوب، حادثة جرت خلال مفاوضات مجلس الأمن بشأن القرار 2231، حيث بكت المفاوضة الأميركية ويندي شيرمان بعد نقاش طويل مع الوفد الإيراني، فبينما كانت تعتقد أن الطرف الإيراني وافق على صيغة معينة، عاد الوفد ليطلب تعديلات في التفاصيل، ما دفعها إلى فقدان السيطرة على مشاعرها.
الكتاب في سياق التجربة الإيرانية
هذا ووضع الكتاب نفسه في سلسلة من الأعمال التي دوّنها مسؤولون إيرانيون عن تجربتهم في العمل الدبلوماسي، مثل كتاب "السفير" لوزير الخارجية الإيراني الأسبق ومهندس الاتفاق النووي من الجانب الإيراني، محمد جواد ظريف، و"سرّ مختوم" الذي شارك في تحريره فريق التفاوض السابق، و"ضفة الصبر" لظريف أيضاً. ويشير المؤلف إلى أن الهدف من هذا العمل هو المساهمة في توثيق التجربة الإيرانية وتقديم مرجع للمهتمين بالدبلوماسية.
وفي قسم المصادر، ذكر عدداً من الأعمال الغربية والإيرانية، بما في ذلك مذكرات بنيامين نتنياهو “قصتي”، ما يعكس محاولة المقارنة بين الأساليب التفاوضية المختلفة.
خلاصة القول، لا يقدم كتاب “قوة التفاوض” لعراقجي الذي سيترأس وفد بلاده خلال التفاوض مع الوفد الأميركي اليوم السبت 12 أبريل/نيسان في العاصمة العمانية مسقط، مراجعة شاملة أو تحليلاً نقدياً للسياسات التفاوضية الإيرانية، لكنه يوفّر نافذة على الذهنية التي تُوجّه تلك السياسات، كما يعكس طريقة التفكير داخل دوائر صنع القرار في طهران عند إدارة الملفات الشائكة، وتزداد أهمية هذه الوثيقة في ضوء عودة عباس عراقجي إلى قيادة الجهاز الدبلوماسي، ما يجعل من هذا النص عنصراً مرجعياً لفهم المنهج الإيراني في التفاوض خلال المرحلة المقبلة.