الحرب التجارية الباردة.. أسلحة واشنطن هل تستطيع حسم المعركة؟

رئيس أبل: من يعتقد أن التصنيع في الصين رخيص مخطأ

المصدر: القاهرة - محمود القصاص
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

تشبه الحرب التجارية الحالية إلى حدٍ كبير فترة "الحرب الباردة" بين الولايات المتحدة وروسيا، إذ تميل أطرافها إلى استعراض القوى بدلاً من المواجهات المباشرة. حتى مع إلقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأقوى أوراق اللعبة متمثلة في الرسوم الجمركية، مستعيناً بقوة الاستهلاك الخاص في الولايات المتحدة.

ولكن يبدو أن الحرب أقدم بكثير من عصر ترامب سواء في ولايته الأولى قبل 8 سنوات، أو خلال الـ 100 يوم السابقة. فقد حذر الرئيس الأميركي الأسبق، ريتشارد نيكسون، من خطورة الصين في كتابه "نصر بلا حرب" في عام 1991.

ويبدو أن عنوان الكتاب يجسد بصورة كبيرة الحالة الحالية، حيث يحاول كل طرف تحقيق النصر بدون تحمل تكلفة باهظة لحرب مباشرة، لن يكون فيها رابح. وبدلاً من ذلك يلجأ كل طرف لإبراز قواه وما يمكن أن يخسره الطرف المقابل من عدم التعاون.

الغريب أن كلاً من واشنطن وبكين، يدرك أهمية الطرف المقابل، إلا أن سرعة نمو الصين في كافة المجالات وسيطرتها على التصنيع العالمي، حيث تستحوذ على أكثر من 28% من إجمالي عمليات التصنيع بحسب شركة البيانات الألمانية "Statista"، فضلاً عن سلاسل الإمداد للمعادن النادرة، وتكامل سلاسل الإمداد لديها يثير خوف الغرب وعلى رأسهم الولايات المتحدة، ما دفعهم إلى محاولة إبطاء هذا النمو، والتصدي للبضائع الصينية، والتكنولوجيا المتنامية والتي باتت تهيمن على العديد من الأسواق.

على الجانب الأخر، أثارت العقوبات الغربية على روسيا دور الدولار في الصراع، ودفعت بالصين لمحاولة تخفيف تلك الهيمنة عبر تأمين معاملاتها الدولية بعيداً عن العملة الأميركية (جاء ذلك في شكل التعامل المباشر باليوان والروبل مع روسيا، أو عبر زيادة المعاملات بالعملات المحلية مع دول جنوب شرق آسيا).

قبل ذلك بسنوات، وأثناء ولاية ترامب الأولى، سلطت الإدارة الأميركية الضوء على عملاق التكنولوجيا الصيني "هواوي"، والذي أزاح صانع آيفون من على عرش سوق الهواتف، لتقرر في البداية حرمان "هواوي" من أنظمة "أندرويد"، ثم من التكنولوجيا الأميركية المتمثلة في أشباه الموصلات من شركة "TSMC" التايوانية. بالطبع تأثرت هواوي لسنوات، إلا أنها كشفت الأسبوع الجاري عن وصولها إلى تقنية تتفوق بها على كلاً من "إنفيديا" في شرائح الذكاء الاصطناعي، وحتى "TSMC" في كفاءة أشباه الموصلات التي تصنعها.

على الرغم من ذلك، تمسكت الصين بالهدوء، ولم تحرم "أبل" من أكبر مصانعها في العالم، حيث يصنع أكثر من 90% من هواتف آيفون في الصين. واكتفت فقط بمنع موظفيها الحكوميين من استخدام هواتف آيفون في أماكن العمل ما قلل الطلب بصورة كبيرة على إصدارات هواتف آيفون 15، والجيل التالي آيفون 16.

وتركت الصين واشنطن لاكتشاف مدى تأثير سوقها الضخم، لدرجة أن "أبل" عارضت سياسات ترامب بنقل مصانعها من الصين إلى الولايات المتحدة.

وقال الرئيس التنفيذي لـ "أبل"، تيم كوك في أحد المؤتمرات: "انتهت فكرة الأيدي العاملة الرخيصة في الصين منذ زمن بعيد". "اللجوء إلى الصين في التصنيع يعود إلى توفر المهارات العميقة بالأساس وبكثرة". "إذا طلبنا على سبيل المثال مهندسين شديدي التخصص في مجال ما، فقد نجد 5 منهم فقط في الولايات المتحدة، لكن في الصين قد يملئون عدد من ملاعب كرة القدم".

المعركة الحالية بين الولايات المتحدة والصين، يصعب التنبؤ بالمنتصر فيها، إلا أن أدواتها معلومة للجميع. ويمكن تحليل نقاط القوة والضعف في كلا الاقتصادين بناء على البيانات المتاحة.

العملة

جزء كبير من الهيمنة الأميركية ممثل في عملتها، حيث تمثل أكثر من 50% من الاحتياطيات العالمية، وبنسبة مثيلة في المعاملات التجارية الدولية. ولكن هذه النسب جاءت متراجعة بصورة كبيرة خلال العقدين الماضيين، وقتما كان الدولار يمثل أكثر من ثلثي الاحتياطيات الدولية، وبنسبة تقترب من 60% من عمليات التجارة.

في الوقت نفسه، لا يزال اليوان الصيني يشكل جزء بسيط من حجم التجارة الدولية يبلغ نحو 4% فقط، وأقل من 3% من الاحتياطيات الدولية لدى البنوك المركزية، إلا أن تلك الأرقام الحالية تمثل 10 أضعاف المعدلات التي كانت موجودة قبل عقدين فقط.

ومع احتدام الحرب التجارية مؤخراً، شهدت سندات الخزانة الأميركية موجة بيع مكثفة، لم تكن الصين اللاعب الرئيسي في البيع على الرغم من كونها ثاني أكبر مستثمر في الديون الأميركية، ولكن الجزء الأكبر كان من أوروبا، وشركات التأمين اليابانية، وحتى الأميركيين أنفسهم بدأوا في البحث عن ملاذات آمنة بعيداً عن الدولار المتراجع، وارتفعت تكلفة التحوط من مخاطر العملة الأميركية.

الديون

قوة الدولار وهيمنته على المعاملات الدولية، منحت الولايات المتحدة لسنوات فرصة فريدة للاستدانة دون إحداث اضطرابات عنيفة في أسواقها، على الرغم من تحقيق مستويات قياسية متتالية لسقف الديون، والتي وصلت إلى مستوى 35 تريليون دولار.

ولكن مع ارتفاع العائد على أذون الخزانة الأميركية مع طفرة البيع الأخيرة، قد تكون تكلفة الاستدانة أعلى في المستقبل، وسيكون على الولايات المتحدة للمرة الأولى منذ تعزيز الثقة في ديونها وعملتها لضمان تسويقها.

من جانبه، يسعى ترامب لزيادة الإيرادات عبر الرسوم الجمركية، وخفض النفقات الحكومية بنحو تريليون دولار، عبر مكتب كفاءة الحكومة "DOGE" والذي يقوده، إيلون ماسك.

محركات الاقتصاد

لكن في المقابل، يعتمد الاقتصاد الأميركي بشكل رئيسي على الاستهلاك الخاص، ومع فرض تعريفات جمركية من شأنها مضاعفة أسعار السلع، قد يكون له مردود سلبي على الاقتصاد. وبحسب العديد من الاقتصاديين فإن الركود سيكون النتيجة الأقرب للتحقق، وهو ما أكده الرئيس التنفيذي لبنك "جي بي مورغان"، جيمي ديمون.

ولكن رهان الإدارة الأميركية، يعوّل على إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، سواء عبر نقل جزء كبير من عمليات التصنيع بعيداً عن الصين أولاً، ثم إلى الولايات المتحدة ثانياً. أما الشق الثالث فيتمثل في الاستثمارات المباشرة الضخمة والتي تم الإعلان عنها من جانب عدد من الشركات والتي تزيد عن 1.6 تريليون دولار.

سلاسل الإمداد

التصور الحالي للإدارة الأميركية، أدرك سريعاً الهيمنة الصينية على سلاسل الإمداد، خاصةً للعناصر الأرضية النادرة، فضلاً عن التقنيات المتطورة الصينية في استخراجها.

ولتعويضها تبحث الولايات المتحدة عن بدائل عالمية، حيث وقعت أمس الأربعاء اتفاقية معادن مع أوكرانيا، تحقق بها عدة مكاسب؛ أولها تهدئة تعويض ما يصل إلى 500 مليار دولار من المساعدات العسكرية، والمرشحة للارتفاع في المستقبل إلى أوكرانيا، وضمان إمدادات من ثروات أوكرانيا مقابل المساعدات العسكرية المستقبلية. وهو ما يعني ضمان وجود مشتري قادر على دفع ثمن الأسلحة الأميركية، وتجنب الاعتماد على الصين في الصناعات المتقدمة، خاصةً بعدما قررت بكين الشهر الماضي، تضييق تصدير 7 معادن رئيسية في صناعات معقدة مثل الطائرات والألواح الشمسية وتوربينات الرياح والهواتف والسيارات.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط