يبدو أنها حالياً لعبة الوقت بدل الضائع بين أميركا والصين، فالطرفان ينتظران من سيتصل أولاً ويبادر بالتنازل عن الرسوم الجمركية التاريخية التي وضعاها على بعضهما البعض، أميركا بنسبة 145%وبكين بنسبة 125%. اللعبة حالياً تعتمد على من يتألم أولاً، ومن يتألم أكثر، ثم من يمكنه التحمل لأطول وقت ممكن قبل أن يرفع سماعة الهاتف ويطلب الجلوس للتفاوض على رسوم منطقية للطرفين.
الصين تعلم جيداً بأن أميركا تحاول لي ذراعها، والانتظار حتى تصرخ. لا بل أن عرّاب كل الاستراتيجيات في إدارة ترامب، وزير الخزانة سكوت بيسنت الذي أقنع ترامب بإيقاف حربه التجارية على الصين وفتح الباب للجلوس على طاولة المفاوضات، هو نفسه اليوم يحاول أن يقلب الطاولة على بكين ويقول إنها لا يمكنها التحمّل أكثر وأن رسومها التاريخية على أميركا غير مستدامة وأن كل دولار يوجع أميركا من هذه الرسوم يتسبب بألم بـ5 دولارات أو 5 أضعاف. بل قال إن الصين قد تخسر 10 ملايين وظيفة بسبب عنادها بمسألة الرسوم الجمركية.
نظرية اللعبة
فبيسنت، العقل المدبر الذي أنقذ ترامب من ورطة الرسوم الجمركية التي وضعها "يوم التحرير" على كل دول العالم، والذي أصبح يظهر شبه يومياً حالياً على شاشات التلفزيون ليدير اللعبة على المكشوف مع الصينيين، بدأ يرسل رسائل ذكية تشرح ماذا يجري في كواليس الحرب التجارية في البيت الأبيض.
فقد ظهر فجأة بأنه المتحكم بقواعد اللعبة بمواجهة بكين بشكل قلب كل المعطيات، عندما قال بأن عدم الوضوح أو ما سمّاه اللايقين في هذه الحرب مقصودٌ لا بل استراتيجي، والهدف منه إرباك الخصم وجعله لا يتوقع ما التحرك المقبل من الطرف الأميركي، وهو جزء من نظرية شهيرة في علم الاقتصاد تُعرف بنظرية اللعبة أو Game Theory، تحدث عنها بيسنت محاولاً إقناع المستثمرين حول العالم بأن اللعبة ممسوكة في البيت الأبيض بعد أن ظهر ترامب مرتبكاً مؤخراً، يضع الرسوم ثم يتراجع عنها، ويقول شيئا في الليل ثم يعدل عنه في النهار، وقد كبّد ذلك خسائر بتريليونات الدولارات لأسواق المال استطاع بيسنت أن يوقفها بظهوره المتماسك.
ومرر بيسنت رسالة لافتة للصينيين بأنهم عليهم المجيء بنهاية المطاف للتفاوض، فهم يريدون تصريف بضائعهم ويحتاجون السوق الأميركية الأكبر في العالم لكي يبيعوا فيها.
بكين تدرك قواعد اللعبة
لكن بكين تدرك أيضاً قواعد اللعبة، وأيقنت سريعاً بأن الأميركيين يريدون منها الاستلام أولاً وهو أمر لن يكون سهلاً مهما توجعت بكين، فهي أعلنت منذ بداية معركة الرسوم أنها تقاتل حتى النهاية، وهي تعلم أن أميركا متألمة أيضاً، وأن تأثيرها كبير على المستهلك الذي بدأت صرخته تعلو.
فقد انخفضت الشحنات من الصين إلى الولايات المتحدة بنسبة تصل إلى 60% كما تكشف "بلومبرغ". وأدى ذلك لوجود رفوف فارغة في المتاجر وارتفاع بالأسعار ونقص شبيه بجائحة كورونا، وهي معطيات تستخدمها بكين ضد أميركا ورئيسها.
بكين تبدو قوية ولكن
وحتى الآن، تبدو بكين قوية لدرجة أنها كذّبت كلام ترامب بأنه أجرى اتصالاً مع الرئيس الصيني، لإعطاء رسائل، ربما، بأنها غير مهتمة بتقديم أية تنازلات للجلوس على الطاولة. وقالت أيضاً إن فريق ترامب يجري اتصالات دائمة لبدء محادثات ثنائية لكنها لن ترضى بفتح باب الاتصال تحت الضغوط.
لكن، ورغم ذلك الموقف الصيني الرسمي، لا شك أن الصينيين يريدون حلاً كما الأميركيين، مهما أظهروا عكس ذلك، فهناك ألم صيني أيضاً تكشفه "بلومبرغ" من بدء تأثر المصانع الصينية من الرسوم الأميركية دفع بكين للتدخل لدعم شركاتها ومصانعها من أي انهيار سريع. فهناك خوف حقيقي من تراجع قوي للاقتصاد الصيني. فمن سيتحمل أكثر بين أكبر اقتصادين بالعالم، ومن سيتنازل أولاً ويتصل بالثاني للجلوس والاتفاق، الأيام المقبلة كفيلة بإظهار ذلك.