خلال شهر شباط (فبراير) 1904، شهد العالم اندلاع الحرب الروسية اليابانية التي وصفت من قبل كثيرين كأولى الحروب الحديثة. فمقارنة ببقية الحروب السابقة، تميزت الحرب الروسية اليابانية بالعدد الهائل للقوات المشاركة بها، إضافة للتقنيات والمعدات العسكرية الحديثة المستخدمة خلالها. ومقارنة بالحروب السابقة، شهدت هذه الحرب سقوط عدد كبير من القتلى خلال المعارك.
وقد جاءت معركة موكدين (Mukden) لتؤكد ذلك حيث شهدت هذه المعركة سقوط 100 ألف ضحية بين قتيل وجريح خلال 18 يوما فقط من الأعمال القتالية.
الاستعداد للمعركة
عقب نجاحهم في السيطرة على بورت آرثر (Port-Arthur) مطلع العام 1905، اتجه اليابانيون لمواصلة تقدمهم مستغلين انهيار معنويات الجيش الروسي وتراجع إمداداته. من جهة ثانية، تمتع الجيش الياباني بأفضلية كبيرة من حيث الإمدادات. فقبل معركة موكدين، وافقت القيادة العسكرية اليابانية على زيادة عدد عساكر الجيش الثالث. فضلا عن ذلك، حل الجيش الخامس الياباني بالمنطقة لدعم جهود المعركة ضد الروس.
حسب التقديرات، جمع الروس لهذه المعركة ما يقارب 292 ألف عسكري. وفي المقابل، جمع اليابانيون 270 ألفا من ضمنهم حوالي 7350 من فرق الفرسان مدعومين بآلاف المدافع والرشاشات.
من جهة ثانية، كان من المقرر أن تدور مجريات هذه المعركة بظروف مناخية شتوية صعبة حيث بلغت درجات الحرارة حينها 20 درجة تحت الصفر. فضلا عن ذلك، كانت الوديان بتلك الفترة من العام متجمدة وهو ما سهل نوعا ما تنقل الجنود.
هزيمة الروس وسقوط عدد هائل من الضحايا
يوم 20 شباط (فبراير) 1905، هاجم الجيش الخامس الياباني الجناح الأيسر للقوات الروسية بموكدين. ويوم 27 من الشهر نفسه، هاجم الجيش الرابع الياباني الجناح الأيمن للروس. وفي الآن ذاته، تحرك الجيش الثالث الياباني بدائرة كبيرة شمال غرب موكدين لمحاصرة القوات الروسية ومنع حصولها على الإمدادات.
ما بين يومي 2 و6 آذار (مارس) 1905، شن الروس عددا من الهجمات الفاشلة ضد اليابانيين. وقد جاء فشل هذه العمليات الروسية بسبب غياب التنسيق بين القادة العسكريين. فضلا عن ذلك، اتجه جنرالات الجيش الروسي لتبادل الاتهامات واتجهوا للحديث عن تجنب البعض منهم الالتحام مع القوات اليابانية.
أمام شدة نيران المدفعية اليابانية، اتجه الروس للتراجع شمالا. وبحلول يوم 10 آذار (مارس) 1905، احتل اليابانيون موكدين وتوقفوا عن القتال على بعد 30 كلم فقط من القوات الروسية.
مثلت معركة موكدين أكبر معركة برية سبقت الحرب العالمية الأولى. وخلال هذه المعركة، تابعت القوى الأوروبية عن كثب ما يمكن أن يحصل في حال اندلاع نزاع مسلح بينها. ففي غضون 18 يوما من الأعمال القتالية، شهدت معركة موكدين سقوط أكثر من 100 ألف ضحية. فبالجانب الروسي، قتل 8700 جندي وأصيب 51 ألفا آخرون، وفقد 6 آلاف بينما أسر 22 ألفا. وبالجانب الياباني، قتل نحو 16 ألف جندي ياباني، وأصيب نحو 60 ألفا، بينما وقع ألفان بالأسر.
وأثناء العمليات القتالية التي استمرت 18 يوما بموكدين، أطلق اليابانيون أكثر من 20 مليون رصاصة إضافة لما يزيد عن 279 ألف قذيفة مدفعية. وحسب الإحصائيات، تخطى عدد الذخائر المستخدمة بموكدين، من قبل اليابانيين، تلك التي استخدمها الألمان طيلة الحرب البروسية الفرنسية التي استمرت لنحو 191 يوما.
أثارت هزيمة الروس بموكدين قلق القوى الأوروبية التي شككت في قدرة جيوشها على حسم المعارك ضد دول أخرى أقل منها عتادا وإنتاجية. من جهة ثانية، أكدت معركة موكدين موقع الجيش الياباني كسادس أهم قوة عسكرية بالعالم حينها. وبروسيا، وقع خبر الهزيمة بموكدين وقوع الصاعقة على القيصر نيقولا الثاني الذي اتجه في التشكيك في قدرات جنرالاته وإمكانية نجاحه بهذه الحرب.
بمعركة موكدين، تواجد الملحن الروسي إليا شاتروف (Ilya Shatrov) ضمن القوات التي حوصرت من طرف اليابانيين. ومع عودته لبلاده لاحقا، ألف الأخير الفالز الشهير "على تلال منشوريا" (On the hills of Manchuria) لتخليد معاناة القوات الروسية هنالك.