من الرياض إلى دمشق: فرصة تاريخية لاستعادة مجد النفط السوري

د. فيصل الفايق
د. فيصل الفايق
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

في لحظة تاريخية فارقة من المشهد الجيوسياسي، أعلن الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" من الرياض عن رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا بعد عقود من العزلة، في خطوة بارزة جاءت بدعم واضح من ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير "محمد بن سلمان".

هذه التطورات تفتح أمام سوريا بوابة عبور نحو مرحلة جديدة، قد تعيدها لاعباً مهماً في أسواق النفط العالمية، وتمنح دمشق فرصة حقيقية لاستعادة مجد النفط السوري.

من الحصار إلى الأسواق: النفط السوري أمام فرصة العودة التاريخية

إن رفع العقوبات عن سوريا ليس مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل يمثل لحظة فارقة وفرصة نادرة لإعادة رسم مستقبل سوريا الاقتصادي عبر الصادرات النفطية.

جاءت هذه الخطوة كثمرة لجهود دبلوماسية سعودية متزنة وفعالة، لعبت دورًا محوريًا في ازالة العزلة الإقليمية والدولية عن سوريا، واعادة دمجها في النظام الاقتصادي العالمي.

هذه اللحظة تفتح الأبواب أمام انطلاقة جديدة قد تعيد النفط السوري إلى خارطة الإمدادات العالمية، وتعيد الحيوية لقطاع ظلّ خامدًا لعقود. فالإنتاج السوري، الذي بلغت ذروة انتاجه سابقًا 600 ألف برميل يوميًا، يفوق إنتاج عدد من الدول الإفريقية التي انضمت إلى "منظمة أوبك" مؤخرًا، رغم تواضع إنتاجها. وبالتالي، فإن استئناف الإنتاج وتصديره في ظل بيئة جيوسياسية آمنة، قد يُمهّد لانضمام سوريا مستقبلًا إلى "منظمة أوبك"، ليس فقط كمنتج تقليدي، بل كلاعب إقليمي يعيد التوازن إلى أسواق المتوسط.

نفط سوريا يعود للأضواء: خام تنافسي واستراتيجي لأمن الطاقة الأوروبي

سوريا قد تعود بقوة إلى المشهد النفطي الإقليمي، بما تمتلكه من احتياطيات مؤكدة، موقع استراتيجي على المتوسط، وبنية تحتية قابلة لاعادة التأهيل.

ويُصنّف النفط السوري ضمن فئة الخام المتوسط إلى الثقيل وعالي الكبريت نسبيًا، مما يمنحه ميزة تنافسية أمام الخامات القادمة عبر البحر الأسود، التي تتطلب مرورًا عبر مضائق قد تكون مكتظة ومتوترة جيوسياسيًا.

بينما يُنتج الخام السوري بمزيج يتراوح بين 22–38° API، ما يُوفر للمصافي الأوروبية المتطورة مرونة أكبر، خصوصًا وأنها كانت مهيأة سابقًا لمعالجة هذا النوع من الخام بكفاءة وربحية عالية.

سوريا بعد رفع العقوبات: بوابة نفطية بديلة لأوروبا في شرق المتوسط

تتمتع سوريا بميزة جغرافية نادرة تجعلها مؤهلة لتكون مركزًا مهمًا لإمدادات النفط إلى أوروبا. فالقرب من مصافي التكرير الأوروبية عبر موانئ البحر الأبيض المتوسط يمنحها أفضلية على صعيد تكلفة النقل وسرعة الوصول، مقارنةً بالخامات القادمة عبر البحر الأسود، والتي قد تواجه تحديات لوجستية وجيوسياسية متزايدة.

هذه الميزة لا تقتصر فقط على البُعد الجغرافي، بل تمتد إلى إمكانية خفض كلفة التوريد الإجمالية، ما يعزز جاذبية الخام السوري المطلوب في المصافي الأوروبية المتطورة المطلة على البحر الأبيض المتوسط.

ومع توفر الإرادة السياسية وتدفق الاستثمارات لإعادة تأهيل البنية التحتية من خطوط أنابيب ومحطات تخزين ومرافئ تصدير، يمكن لسوريا أن تستعيد تدريجيًا مستويات إنتاج تصل إلى ما فوق 400 ألف برميل يوميًا خلال بضع سنوات، وبذلك، قد تتحول إلى منافس فعّال في سوق إمدادات البحر الأبيض المتوسط، خصوصًا في ظل سعي أوروبا لتنويع مصادر الطاقة وتقليص الاعتماد على الإمدادات النفطية القادمة عبر البحر الأسود.

في مرحلة ما بعد أزمة روسيا وأوكرانيا، باتت أوروبا تبحث عن مصادر بديلة ومستقرة للطاقة. وفي هذا السياق، يمكن لسوريا أن تمثل شريكًا استراتيجيًا لتغذية المصافي الأوروبية بخامات متوسطة وثقيلة عالية الكبريت، بديلًا عن الإمدادات النفطية القادمة عبر البحر الأسود. إذا ما تم تطوير بنية تحتية ومنظومة حديثة للنقل والتخزين والتصدير عبر موانئ البحر الأبيض المتوسط، فإن سوريا ستكون في موقع مثالي لتلبية هذه الحاجة، خاصة مع انخفاض تكاليف النقل وسهولة الوصول مقارنة بالنفط القادم إلى أوروبا عبر البحر الأسود.

هل تعود رغبة الانضمام إلى "منظمة أوبك"؟

شاركت سوريا كمراقب في اجتماعات "أوبك" عام 2004، وكان إنتاجها حينها حوالي 440 ألف برميل يوميًا، بعد أن بلغ ذروته في عام 2002 عند نحو 620 ألف برميل يوميًا.

ومع أن الإنتاج تراجع بعد عام 2011 إلى أقل من 40 ألف برميل يوميًا، إلا أن عودة الاستقرار تفتح الباب مجددًا أمام إمكانية الانضمام. وقد سبقتها دول مثل غينيا الاستوائية (70 ألف برميل يوميا) والكونغو (276 ألف برميل يوميا) إلى عضوية أوبك، ما يؤكد أن معيار الإنتاج ليس عائقًا، خصوصًا إذا ما اقترن باستقرار سياسي ورؤية إنتاجية مستقبلية.

احتياطيات ضخمة تنتظر الانطلاق وفرص غير مستغلة تنتظر النهوض

رفع العقوبات عن سوريا قد يشكّل نقطة تحول محورية تفتح الأبواب أمام استثمارات ضخمة في قطاع الطاقة، الذي ظل معطّلاً لعقود من الزمن.

تشير تقديرات مجلة Oil & Gas Journal لعام 2015 إلى أن سوريا تمتلك احتياطيات مؤكدة تُقدر بنحو 2.5 مليار برميل من النفط و8.5 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وهي أرقام تؤهل البلاد لتكون لاعبًا ناشئًا في أسواق الطاقة الإقليمية إذا ما أعيد تطوير البنية التحتية بشكل متكامل.

ما يميز سوريا ليس فقط حجم الاحتياطيات، بل التكلفة المنخفضة للإنتاج نسبيًا مقارنة بالنفط القادم إلى أوروبا عبر البحر الأسود، والموقع الجغرافي الاستراتيجي المطل على البحر الأبيض المتوسط، والذي يختصر زمن وتكلفة التصدير للأسواق الأوروبية مقارنة بخطوط النقل القادمة البحر الأسود. كذلك، فإن غالبية الحقول تقع في مناطق يسهل ربطها بأنابيب وشبكات نقل قصيرة المدى، مما يزيد من جاذبية الاستثمار في مرحلة إعادة التأهيل.

فضلًا عن ذلك، فإن كثافة الاستكشاف منخفضة نسبيًا مقارنة بدول الجوار، مما يعني وجود فرص غير مكتشفة قد تزيد من حجم الموارد المؤكدة. وإذا ما أُعيد تفعيل الحقول المتوقفة واستُثمر في التكنولوجيا الحديثة لزيادة معدلات الاستخلاص، فإن العوائد المحتملة قد تكون مجزية.

الاستثمار في سوريا بحاجة إلى ضمانات. . ولكن الفرص قائمة

رغم أن الاستثمارات في قطاع الطاقة السوري تتطلب ضمانات أمنية وإطارًا تشريعيًا مستقرًا يمتد لعقود، فإن التجارب العالمية، ولا سيما في إفريقيا، تُثبت أن غياب الاستقرار السياسي والأمني قد لا يُشكل دائمًا عائقًا أمام تدفق رؤوس الأموال. فالصين، على سبيل المثال، لا تزال تستثمر مليارات الدولارات في دول إفريقية منتجة للنفط تعاني من اضطرابات سياسية وأمنية حادة، وبعضها أعضاء حاليون في منظمة أوبك من الدول الإفريقية. وهذا يعزز منطق أن سوريا، مع بوادر الانفراج السياسي والدعم الإقليمي والدولي المتزايد، قد تُصبح بيئة استثمارية أكثر جاذبية من بعض هذه الدول، بشرط توفير الحد الأدنى من الضمانات القانونية والمؤسسية لحماية الاستثمارات طويلة الأمد، وتأمين بيئة مستقرة تشجع على العودة الجادة لشركات النفط والغاز العالمية.

المستثمرون لن يدخلوا السوق السورية إلا بوجود آلية واضحة لحماية رؤوس الأموال، وتأمين العقود، وضمان بيئة مستقرة تحكمها مؤسسات قوية وتشريعات واضحة.

* خاص- "العربية Business".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط