غالباً ما تُعتبر الأحياء القريبة من ملاعب الغولف مواقع مرغوبة، إذ تجمع بين الطبيعة والترفيه والمناظر الجميلة.
غير أن دراسة جديدة وغريبة تشير إلى أن المنازل الواقعة على بُعد كيلومترات قليلة من الممرات الخضراء المشذبة ربما لا تكون أفضل اختيار عقاري.
كما أن هناك المزيد من الأبحاث التي توصلت إلى أن صيانة هذه المساحات الخضراء تشكل خطراً كبيراً على الصحة العصبية، وفق ما نقل موقع New Atlas عن دورية JAMA Network Open.
139 ملعب غولف
وفي محاولة لمعرفة ما إذا كانت هناك صلة بين زيادة خطر الإصابة بمرض باركنسون والعيش قرب ملاعب الغولف، أجرى باحثو معهد بارو لعلم الأعصاب ومايو كلينك دراسة على حالات وشواهد قائمة على السكان.
حيث تم تقييم 419 حالة مرض باركنسون و5113 حالة ضوابط مطابقة. كما شملت الدراسة 139 ملعب غولف في جنوب مينيسوتا وغرب ويسكونسن. وبعد استخدام أداة إحصائية لنسبة الأرجحية OR لضبط متغيرات مثل العمر والجنس والدخل وتركيبة الموقع (ريفي/حضري)، بدا أن الأرقام تؤكد فرضية العلماء.
على بُعد 3.2 إلى 4.8 كم
إذ اكتشف الباحثون أن العيش على بعد 3.2 كم من ملعب غولف يرتبط بارتفاع احتمالات الإصابة بمرض باركنسون بنسبة 198%، وظلت النسبة مرتفعة عند 121% بين 3.2 إلى 4.8 كم.
فيما انخفض الخطر بنحو 13% مع كل 1.6 كم بعد ذلك. وكان الخطر أعلى لدى السكان القريبين من الملاعب التي تحتوي أيضاً على مياه شرب من مصادر جوفية تعتبر معرضة للتلوث بالمبيدات.
إمدادات المياه الجوفية
ووجد الباحثون أن الأشخاص الذين يعيشون قرب ملعب غولف ويحصلون على المياه الجوفية لديهم احتمالات الإصابة بمرض باركنسون ضعف أولئك الذين لا توجد بالقرب منهم ملاعب خضراء.
كما أضافوا أيضاً أن إمدادات المياه الجوفية زادت من احتمالات إصابة أولئك الذين يعيشون قرب ملعب غولف، بمرض باركنسون بنحو 50%، مقارنة بالأشخاص الذين لديهم مصادر مياه خاصة أخرى.
إحصائيات مثيرة للقلق
وتبدو هذه الإحصائيات مدعاة للقلق. حيث يعتمد مسؤولو حدائق ملاعب الغولف في الولايات المتحدة الأميركية على المبيدات الحشرية بشكل أكبر بكثير من نظرائهم في أجزاء أخرى من العالم، وتم تحديد مئات المواد الكيميائية المستخدمة بشكل متكرر.
كما أظهرت دراسات تعود إلى ما يقرب من عقد من الزمان أن المياه الجوفية تحتوي على درجات متفاوتة من التلوث أسفل ملاعب الغولف ومحيطها.
وقد تم بالفعل ربط ملاعب الغولف باضطراب عصبي آخر، هو التصلب الجانبي الضموري ALS، والذي حدده باحثو جامعة ميشيغان للطب في ورقة بحثية نُشرت عام 2024.
معارضة من المجتمع العلمي
في حين أثارت نتائج الدراسة الأخيرة معارضة من المجتمع العلمي، لافتين إلى أن القيود، التي تحد من البحث، كبيرة، إذ تشمل كيفية تقدير التعرض القائم على العنوان، وعدم أخذ الدراسة في الاعتبار سوى سنتين إلى 3 سنوات من العيش بالقرب من الملعب قبل تشخيص مرض باركنسون، وليس التعرض مدى الحياة.
ويعد تقدير فترة التعرض مهماً بشكل خاص نظراً لأن مرض باركنسون يمكن أن يستغرق وقتاً أطول بكثير ليتطور. كما استخدمت الدراسة بيانات تاريخية عن المرض والعناوين من 1991 إلى 2015، إلا أنها استخدمت بيانات ملاعب الغولف لعام 2013 فقط، ولم يبحث العلماء في عوامل أخرى متعلقة بباركنسون مثل الصدمات والعوامل الوراثية.
المبيدات الحشرية
من جهته أوضح ديفيد ديكستر، مدير الأبحاث في مركز باركنسون ببريطانيا أن "هذه الدراسة تشير إلى وجود علاقة بين المبيدات الحشرية ومرض باركنسون، لكن هناك بعض القيود المهمة في المنهجية التي يجب الانتباه إليها".
وأضاف ديكستر: "أولاً، يبدأ مرض باركنسون في الدماغ قبل التشخيص بـ10-15 عاماً، ولم تقتصر الدراسة على الأشخاص الذين يعيشون بشكل دائم في المنطقة. وهذا لا يؤثر فقط على تعرض المشاركين، بل يشير أيضاً إلى أنه ربما بدأ المرض لديهم قبل انتقالهم إلى السكن قرب ملعب الغولف".
تحليل مياه الشرب
كما مضى قائلاً إنه "لم يتم مطابقة السكان مع الموقع حيث يعيش 80% من مرضى باركنسون في المناطق الحضرية، مقارنة بـ30% فقط من مجموعة الضبط. وبالتالي فإن عوامل أخرى مثل تلوث الهواء الناجم عن المركبات الآلية وغيرها ربما تفسر بعض الزيادات في حالات الإصابة بباركنسون".
كذلك أردف: "لم يُجرَ أي تحليل لمستويات المبيدات في مياه الشرب. وهذا يقلل مرة أخرى من صحة ادعاء التعرض للمبيدات لأن الدراسات لم تراقب بدقة".
ارتباط ضئيل
لذا، مع عدم إثبات وجود علاقة سببية، فإن الأدلة على وجود ارتباط، بين مرض باركنسون والعيش قرب ملاعب الغولف، ضئيل على أرض الواقع، بفضل التصميم التجريبي.
فرغم عدم إثبات وجود علاقة سببية، فإن الأدلة على وجود ارتباط ضئيلة على أرض الواقع، بفضل التصميم التجريبي
وبينما يمكن أن تكون هناك صلة قوية بين ملاعب الغولف والمبيدات الحشرية وباركنسون، إلا أن هناك حاجة إلى أبحاث أكثر تعمقاً.
"مرض معقد"
من جانبها صرحت كاثرين فليتشر، رئيسة قسم الأبحاث في مركز باركنسون ببريطانيا قائلة إن "مرض باركنسون معقد. كما أن أسباب هذه الحالة غير واضحة، ومن المرجح أن تشمل عوامل وراثية وبيئية".
كما أضافت فليتشر أن "العديد من الدراسات بحثت فيما إذا كانت المبيدات الحشرية تزيد من خطر الإصابة بمرض باركنسون في مختلف الفئات السكانية حول العالم. وتباينت النتائج، لكنها تشير بشكل عام إلى أن التعرض للمبيدات الحشرية ربما يزيد من خطر الإصابة بهذه الحالة. وبالتالي، فإن الأدلة ليست قوية بما يكفي لإثبات أن التعرض للمبيدات الحشرية يسبب مرض باركنسون بشكل مباشر".
وختمت بالقول إن "الدراسة تدعم العلاقة بين المبيدات الحشرية ومرض باركنسون. مع ذلك، فهي دراسة مختزلة إلى حد ما ولا تأخذ في الاعتبار كيفية تعرض الشخص للمبيدات الحشرية في مكان عمله أو ما إذا كان لديه صلة وراثية بهذه الحالة".