وجّهت شركة أنثروبيك ضربة قوية لأبحاث "أبل" التي شكّكت في قدرات الذكاء الاصطناعي على التفكير المنطقي العميق.
الدراسة الجديدة، التي حملت عنوانًا ساخرًا هو "وهم وهم التفكير"، أعادت النظر في نتائج دراسة "أبل" المثيرة للجدل، والتي كانت قد اعتبرت أن نماذج الذكاء الاصطناعي تعاني من انهيار معرفي عند مواجهة مسائل تتطلب استدلالًا متقدماً.
القيود ليست معرفية.. بل تقنية
وبحسب الدراسة التي أعدّها الباحثان أليكس لوسين وكلود أوبس من شركة أنثروبيك، فإن إخفاقات النماذج في حل بعض الألغاز، مثل برج هانوي، لا تعكس قصوراً في التفكير، بل نتيجة لقيود على طول النص المسموح بإخراجه.
وقد شبه أحد المختصين ذلك بالقول: "ادعاء أن الإنسان لا يستطيع العد إلى مليون لأنه يتعب من الكلام قبل أن يُنهي العد!"
وقد تبيّن أن النماذج تصل ببساطة إلى الحد الأقصى من المخرجات النصية، وهو ما يمنعها من إتمام الحل، رغم قدرتها الكامنة على الاستدلال الصحيح، بحسب تقرير نشره موقع "ctol.digital" واطلعت عليه "العربية Business".
ألغاز مستحيلة
الأمر لم يتوقف عند حدود تقييم الأداء، بل كشف باحثو "أنثروبيك" عن مفاجأة أخرى: 23% من ألغاز "عبور النهر" التي استخدمتها "أبل" في تقييمها كانت مستحيلة الحل رياضيًا.
ورغم أن النماذج اكتشفت هذا الاستحالة، إلا أنها تعرّضت للعقوبة على فشلها في تقديم حل، ما يكشف خللاً جوهريًا في تصميم آلية الاختبار.
كما أشار تقرير الدراسة إلى أن بعض هذه الألغاز كانت تحتوي على قيود تجعل أي حل غير ممكن، الأمر الذي يقوّض مصداقية نتائج "أبل" السابقة.
تغيير طريقة السؤال يغيّر الإجابة
وفي تجربة لافتة، أظهرت الدراسة أن النماذج الفاشلة نفسها نجحت في حل ألغاز معقدة حين طُلب منها إنتاج برنامج يحل اللغز بدلاً من إدراج خطوات الحل واحدة تلو الأخرى.
وبلغت دقة الحل حينها بين 89% و94%، وهو ما يسلط الضوء على أهمية تصميم المهام التقييميّة بدقة عند قياس قدرات الذكاء الاصطناعي.
آثار تتجاوز المختبرات
وبحسب محللين، فإن هذه النتائج لا تبقى حبيسة الأبحاث الأكاديمية، بل تحمل تداعيات عملية كبرى.
إذ تشير الدراسة إلى إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي الحالي في مهام تخطيط معقدة، مثل تحسين سلاسل الإمداد أو إنتاج الشيفرات البرمجية بكفاءة أعلى.
ويُقدّر أن الاعتماد على مخرجات أكثر ضغطًا أو برمجةً، بدلاً من المخرجات النصية المطوّلة، قد يُخفض التكاليف التشغيلية بنسبة تتراوح بين 37% و52%.
هل تبتعد "أبل" عن سباق الذكاء الاصطناعي؟
تثير هذه النتائج تساؤلات أكبر حول الاستراتيجية التي تتبعها "أبل".
فبينما تستثمر شركات مثل "مايكروسوفت" و"غوغل" و"ميتا" في تطوير ودمج نماذج الذكاء الاصطناعي ضمن خدماتها، يبدو أن "أبل" تركز على كشف نقاط ضعف هذه التقنية.
وهو ما وصفه بعض المحللين بأنه إما مراهنة غير تقليدية على مستقبل مختلف، أو علامة على غياب رؤية تكنولوجية واضحة في هذا السباق التنافسي.
قراءة استثمارية
من منظور استثماري، تُعد هذه الورقة البحثية دافعًا لإعادة تقييم مكانة الذكاء الاصطناعي في خارطة طريق الشركات.
ويعتقد الخبراء أن المستثمرين سيُكافئون المؤسسات التي تُظهر قدرة على استغلال النماذج الحالية بذكاء، لا تلك التي تسعى لإثبات محدوديتها.
ومع استمرار "أبل" في اتباع نهج نقدي تجاه تقنيات الذكاء الاصطناعي، يترقّب المستثمرون إشارات أوضح حول نواياها: هل تخطط لبناء نموذج منافس؟ أم أنها تتجه نحو مسار مختلف تمامًا في عالم التكنولوجيا الذكية؟