في زمن كانت فيه الوظائف الحكومية لا تعد بالكثير من الثراء، اختار شاب سعودي أن يسلك طريقاً مختلفاً، مدفوعاً بشغف المعرفة لا بريق المال. الدكتور محمد الجاسر، رئيس البنك الإسلامي للتنمية، يروي كيف قادته الطفرة الاقتصادية في ثمانينيات القرن الماضي إلى التحول من دراسة الطب والهندسة إلى عالم الاقتصاد، في رحلة لم تكن تقليدية بأية حال.
في حديثه لبرنامج "الدرجة الأولى" مع فاطمة الزهراء الضاوي، كشف الجاسر عن صراعه مع الإغراءات المالية، حتى أثناء تمثيله للمملكة في صندوق النقد الدولي، قبل أن ينتصر فضوله المعرفي ويعيد تشكيل خياراته.
ويؤمن الجاسر بأن "التعويضات" التي يحصل عليها الإنسان لا تقتصر على الراتب، بل تشمل أيضاً "شيك المعرفة" و"شيك التأثير"، وهي مفاهيم شكّلت فلسفته المهنية.
من وزارة المالية إلى واشنطن.. نقطة التحول
بدأت مسيرته في وزارة المالية، قبل أن يُبتعث إلى الولايات المتحدة لنيل الدكتوراه في الاقتصاد. وبعد عودته، وبينما كانت العروض من القطاع الخاص تنهال عليه، اختارته الدولة لتمثيلها في صندوق النقد الدولي بواشنطن، وهي تجربة وصفها بأنها "تعادل عدة شهادات دكتوراه".
"العمل هناك كان أشبه بطبيب في قسم الطوارئ في عامه الأول، يرى كل الحالات دفعة واحدة"، قال الجاسر، مشيراً إلى أن هذه التجربة صقلت فهمه للاقتصاد العالمي وأهمية المعرفة المؤسسية.
ولكن المثير في حوار الجاسر مع "العربية Business"، هي روايته التاريخية لتطور اقتصاد السعودية والقطاع المالي بالتحديد. كاشفاً عن السر وراء استقرار اقتصاد المملكة حتى في أحلك أوقات الاقتصاد العالمي، ومهما تعرضت له أسعار النفط من تقلبات.
يرى الجاسر أن نجاح أي اقتصاد يعتمد على تناغم السياسات المالية والنقدية والهيكلية، محذراً من أن تنازعها يؤدي إلى تباطؤ النمو أو ما هو أسوأ. ويستشهد بتجربة السعودية في مواجهة أزمات مثل انهيار السوق عام 2006 والأزمة المالية العالمية في 2008، حيث ساهم التناغم بين السياسات في امتصاص الصدمات.
سر صمود القطاع المالي السعودي
قبل أن يتحدث عن المستقبل، استعرض الجاسر تاريخ القطاع المالي السعودي، مشيراً إلى تأسيس مؤسسة النقد عام 1953، وسعودة البنوك تدريجياً عبر طرح الحصص العامة وزيادة رؤوس الأموال.
وقال إن نظام الإشراف المالي الصادر عام 1966، حمى البنوك من الإفراط في الرافعة المالية، وحدد سقفاً للودائع لا يتجاوز 15 ضعف رأس المال، ما جنب القطاع المصرفي في السعودية للكثير من الأزمات ومنح المرونة الكافية للتخطيط الاقتصاد طويل الأجل.
لا إنقاذ للمضاربين... والشفافية أساس الاستقرار
قبل أزمة عام 2006، كانت أرباح السوق خيالية وأغرت المستثمرين للمغامرة بقوة وبرافعة مالية عالية عبر الاقتراض، حتى أن المستثمرين تجاهلوا إشارات الفقاعة وظلوا يضخون الأموال بقوة. لكن سرعان ما تحول المشهد وانهارت الأسعار ولحقت الخسائر بالعديد من المتعاملين.
رفضت الدولة التدخل في السوق لإنقاذ المحافظ الاستثمارية، رغم الخسائر الكبيرة. وبدلاً من ذلك، ركز البنك المركزي على تقييم المخاطر النظامية، وطالب البنوك بتمييز المخاطر بين السيولة والملاءة المالية.
ويؤكد الجاسر أن "تدخل الدولة في حالات الانهيار ينافي سياسات السوق"، مشدداً على أهمية إرسال رسائل واضحة للسوق لبناء منحنى تعلم جماعي، وثبات سياستها الهيكلية بتبنى سياسة السوق الحر.
النفط عند 10 دولارات؟ لا يكفي حتى الرواتب
وحتى مع تراجع أسعار النفط إلى 10 دولارات للبرميل، قال الجاسر إن البناء السليم للسياسات الهيكلية والمالية للمملكة جنبها الصدمات والتي كانت متوقعة على حد تعبيره، ولأسباب مرتبطة بتبنى نموذج "عكس الدورة الاقتصادية" والذي يستوعب طبيعة تقلبات أسعار النفط.
كما أن "مكافحة السرية" ما يعرف بـ "counter secrecality" أحد العوامل الهامة في استقرار الاقتصاد وصموده، المعلومات التي يحصل عليها كل الأطراف سواء صناع السياسة أو المحللين والمؤسسات الدولية واحدة.
وقال إن هذه السياسة تتبنى عدم إنفاق كل الإيرادات النفطية في أوقات الرخاء، بل يُخصص جزء منها للاحتياطيات والتي يتم اللجوء إليها في أوقات انهيار الأسعار. وقال: "إذا وصل النفط إلى 10 دولارات، فلن تكفي حتى رواتب موظفي الدولة".
الأمر الآخر، هو استقرار سعر العملة كركيزة أساسية لاقتصاد السوق، حيث لم يستجب البنك المركزي السعودي للدعوات المطالبة بخفض سعر العملة في أوقات انهيار أسعار النفط، خاصةً وأن سعر العملة يعد رئيسياً للدول التي تعتمد على سلعة واحدة بشكل رئيسي في اقتصادها، كما كان الوضع تاريخياً، قبل جهود التنويع التي تتبناها "رؤية 2030" لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
كما أشار إلى أن استقرار سعر الصرف والثقة في العملة الوطنية كانا نتيجة لسياسات مالية ونقدية متناغمة، جعلت من الاقتصاد السعودي أكثر صلابة واستعداداً لمواجهة الأزمات.
ويرى الجاسر أن ما يحدث اليوم في السعودية يتماشى مع رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي قال: "نبني اقتصاداً للحالمين". ويؤكد أن هذا الاقتصاد يستند إلى أسس متينة بُنيت عبر عقود.
العودة من بوابة التنمية
وقبل أن يطوي صفحة العمل العام، عاد الجاسر من بوابة جديدة، حين كُلّف برئاسة البنك الإسلامي للتنمية. تجربة وصفها بأنها فتحت أمامه آفاقاً أوسع في العمل التنموي الدولي.
ويستهدف البنك، الذي يبلغ رأسماله 100 مليار دولار، التأثير في حياة أكثر من 1.8 مليار مسلم حول العالم، عبر تمويل أكثر من 12 ألف مشروع بقيمة تجاوزت 190 مليار دولار خلال 50 عاماً.
3 رسائل للشباب
ونصح الجاسر الشباب بضرورة البحث عن المعرفة المدفوع بالفضول. كما يرى أنه لا شيء مستحيل، "دائماً ما تقدر صنع أكثر مما ترسمه لنفسك ولكن أعطي لنفسك الفرصة".
وفي الأخير، يرى الجاسر أن "الأزمات التي لا تقسمك تقويك"، مشجعاً الجيل القادم بتكرار المحاولة وعدم الاستسلام، والمغامرة.