حافظت السعودية على المركز الأول عالميًا في مؤشر الأمن السيبراني، وفقًا لتقرير "الكتاب السنوي للتنافسية العالمية 2025" الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية (IMD) في سويسرا، ويأتي هذا الإنجاز تتويجاً لجهود وطنية استراتيجية، ومبادرات ممنهجة ضمن رؤية السعودية 2030، في حين يعزو خبراء في حديثهم لـ العربية.نت أهم العوامل التي ضاعفت حفاظ السعودية على المرتبة الأولى.
بنية تحتية سيبرانية متقدمة.. وسياسات استباقية
وأرجع قائد حلول مراكز المراقبة السيبرانية في KPMG الشرق الأوسط المهندس فهد الدريبي، في حديث لـ"العربية.نت"، هذا التقدم العالمي للجهود الاستباقية والسياسات الفعالة التي تبنتها السعودية، في سبيل بناء بيئة سيبرانية آمنة ومتكاملة.
اقتصاد رقمي آمن
وأكد أن رؤية المملكة 2030 حرصت على تأسيس اقتصاد رقمي قوي وآمن، عبر تطوير بنية تحتية سيبرانية حديثة، وإطلاق الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني، ووضع أنظمة وتشريعات تُشرف عليها الهيئة الوطنية للأمن السيبراني، بالإضافة إلى تعزيز الكوادر الوطنية عبر برامج تدريبية متخصصة، ومسابقات ومعسكرات تقنية.
وبهدف دفع عجلة الابتكار في هذا القطاع الحيوي، ومواكبة أحدث التوجهات العالمية، فقد نظمت السعودية مؤتمرات عالمية مثل المنتدى العالمي للأمن السيبراني و"بلاك هات"، إلى جانب تشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
تجربة سعودية رائدة تواكب التحديات
من جانبها عدت مستشارة التدريب التوعوي في الأمن السيبراني وأخصائية الحوكمة والتواصل المؤسسي المهندسة بشرى الحوت هذا التتويج العالمي انعكاساً لالتزام المملكة المستمر بتوفير بيئة رقمية آمنة وموثوقة رغم تسارع التحديات التقنية عالمياً.
وقالت: "ما تحقق هو نتيجة لاستراتيجية متكاملة نفذتها الهيئة الوطنية للأمن السيبراني شملت تعزيز البنية الرقمية، الجاهزية السيبرانية، وتفعيل الشراكات المحلية والدولية، إلى جانب الاستثمار في الكفاءات الوطنية وتأهيلها بمعايير عالمية".
وتجد الحوت أن هذا التفوق يعكس ثقة المجتمع الدولي في قدرات السعودية التقنية والتنظيمية، ويؤكد مكانتها كدولة رائدة في حوكمة الفضاء السيبراني، بما يسهم في حماية المصالح الوطنية ودعم القطاعات المختلفة.
رحلة طموحة بدأت عام 2017
المهندس عمر الخويطر، رئيس نادي الأمن السيبراني بجامعة الإمام، رأى تصدّر المملكة لمؤشر الأمن السيبراني لعام 2025 بأنه "ليس صدفة"، بل تتويج لرحلة طموحة بدأت عام 2017".
وكانت المملكة تحتل المرتبة 46 عالميًا في مؤشر الأمن السيبراني التابع للأمم المتحدة، قبل أن تبدأ نهجًا شاملًا لبناء قطاع سيبراني متين يأخذ في الاعتبار الأبعاد الأمنية والتنموية والتشغيلية.
ويسهب الخويطر في حديثه ويقول: "اليوم، بعد أعوام قليلة، تتصدر المملكة التصنيفات الدولية، ليس فقط في تقرير IMD، بل أيضًا في مؤشر GCI لعام 2024، حيث صُنفت ضمن الفئة الأعلى كنموذج عالمي يُحتذى به".
وطبقاً للخويطر، فإن ما يميز التجربة السعودية هو دمج السياسات والتشريعات والبنية التحتية والكوادر المؤهلة في منظومة وطنية شاملة، إلى جانب تأسيس شركة "سايت" كشريك استراتيجي تقني لتحقيق السيادة التقنية وتوطين الحلول، فيما أطلقت المملكة مبادرات للتوعية والتأهيل، ومنصات لتبادل المعلومات، أسهمت في رفع الجاهزية السيبرانية وتوحيد الجهود بين الجهات الحكومية والخاصة.
الحوكمة والتمكين والسيادة الرقمية
ويعتبر الخويطر أن هذا النجاح يعكس وعي صانع القرار السعودي بأن الأمن السيبراني لم يعد خيارًا، بل ضرورة لضمان استقرار الاقتصاد واستمرار الخدمات وبناء الثقة الرقمية؛ لافتاً إلى أن تصدر السعودية لهذه المؤشرات يجعلها من الدول المؤثرة في مستقبل الفضاء الرقمي العالمي، ويمنحها مكانة مرموقة في رسم السياسات السيبرانية المستقبلية.
منظومة متماسكة.. ومعايير عالمية
من جهته، يعود الدكتور سلطان الشمراني، أستاذ مشارك في الأمن السيبراني، إلى تاريخ 2017، وهو موعد تأسيس الهيئة الوطنية للأمن السيبراني، والذي بدأت معه رحلة تصاعدية نحو الريادة العالمية.
وفي ثلاث سنوات فقط تقدّمت السعودية إلى المركز الثاني، ومن ثم الأول، وها هي اليوم تحافظ على الصدارة والحديث هنا للشمراني، الذي يشير إلى تميز المملكة في معايير دولية دقيقة تشمل نمو القطاع، وتحفيز الابتكار، والاستثمار في البحوث، وتطبيق السياسات وأُطر الحوكمة، إلى جانب تأسيس مراكز متخصصة تخدم هذه الأهداف.
جاهزية تبدأ من الداخل.. وتأثير عالمي
وتصنّف السعودية مجددًا في المركز الأول عالميًا بمؤشر الأمن السيبراني لعام 2025 وفق تقارير تنافسية المعهد الدولي للتنمية الإدارية (IMD)، معزّزة مكانتها كدولة "نموذج يحتذى به" ضمن تصنيف الاتحاد الدولي للاتصالات ITU لعام 2024، ما ينعكس على تعزيز النموذج السعودي الذي يجمع بين الأمن الإلكتروني والتنمية التقنية.
تصاعد إقليمي
وعلى الصعيد الإقليمي، شهدت السعودية تصاعدًا ملحوظًا في تبنّي مناهج متقدمة لمواجهة تحديات العصر، لا سيما بعد زيادة هجمات DDoS في منطقة الشرق الأوسط بنسبة 183٪ في الربع الأول من 2024، إذ كانت المملكة ضمن أكثر ثلاث دول مستهدفة، ما دفعها لتعزيز التعاون الإقليمي وفرض سياسات تنظيمية تقنية صارمة.
ويُعد هذا التطور الحيوي جزءًا من استراتيجية وافية تهدف لحماية البُنى التحتية الوطنية، ودعم الاستثمار والابتكار، وتوطين التقنية، وتعزيز القدرات البشرية، من خلال إطار تنظيمي متكامل يضم معايير وسياسات واضحة تنسجم مع أعلى المعايير العالمية.