قد تكون المبالغة في تقييم الدولار الأميركي قد انفجرت بالفعل، لكن البعض يتساءل عمّا إذا كانت "فقاعة عكسية" بنفس القدر من الهشاشة قد بدأت تتشكل لتحل محلها.
فوسط التقلبات الحادة التي شهدتها الأسهم والسندات الأميركية في النصف الأول المضطرب من عام 2025، برزت نتيجة واحدة واضحة لا لبس فيها: الدولار سجّل أسوأ بداية لعام له على الإطلاق منذ اعتماد نظام سعر الصرف العائم.
يقول الكاتب في "رويترز" مايك دولان، تزايد التشاؤم بشأن اتجاه العملة الأميركية بشكل حاد، في تحدٍ لعوامل تقليدية كانت تُعدّ حاسمة مثل فروق أسعار الفائدة، وملاذات الأمان، وحتى الروابط مع الأسهم والسلع. وبدأ يتكوّن إجماع واسع النطاق على أن هناك مزيدًا من الضعف في الطريق.
تُطرح العديد من الأسباب وراء هذا التراجع في قيمة الدولار، أبرزها عدم اليقين المحيط بالسياسات الأميركية، وتفوق الأسواق الخارجية بعد سنوات من "الاستثنائية الأميركية"، إلى جانب الرغبة غير الخفية من إدارة الرئيس دونالد ترامب في كبح جماح الدولار المرتفع في إطار مساعيها لتحقيق تجارة "أكثر عدالة" وإعادة التصنيع داخل الولايات المتحدة.
لكن ربما بلغ التشاؤم وعمليات التموضع في الأسواق مستويات قصوى في الاتجاه المعاكس.
استطلاع "بنك أوف أميركا" الشهير لمديري الأصول العالميين في يوليو سلّط الضوء على هذه النقطة بوضوح. ففي نتائج يوم الثلاثاء، أظهر الاستطلاع أن مديري الصناديق يعتبرون الآن "الرهان ضد الدولار الأميركي" هو أكثر الصفقات اكتظاظًا، وذلك لأول مرة منذ أكثر من 10 سنوات.
كشف استطلاع في يونيو بالفعل عن تسجيل أدنى مراكز للدولار منذ 25 عامًا، إلا أن تقرير هذا الشهر أظهر أيضًا أن الانكشاف الصافي على اليورو هو الأعلى منذ أكثر من 20 عامًا، مع أكبر حركة تراكمية خلال 6 أشهر تجاه العملة الأوروبية على الإطلاق.
سلوك "فقاعي" من نوع آخر
ويرى رئيس أبحاث العملات في "إتش إس بي سي"، بول ماكل، أن ما نشهده قد يكون "فقاعة عكسية" تتشكّل – أي تموضع مفرط قائم على سلبية مبالغ فيها.
فعلى الرغم من وجود مبررات وجيهة لمزيد من الانخفاض في قيمة الدولار، إلا أن ماكل يحذر من الوقوع في فخ "التحيّز غير العقلاني" – حيث لا تتغير النظرة حتى مع تغيّر المعطيات على الأرض.
وأحد الأمثلة على ذلك هو المخاوف التي أُثيرت بشأن إمكانية إدراج البند 899 المثير للجدل ضمن مشروع قانون ترامب المالي، والذي كان يهدف إلى فرض ضرائب على المستثمرين الأجانب. ومع أن البند أُزيل لاحقًا، إلا أن الرواية السلبية حول الدولار لم تتغير.
وكتب ماكل: "هناك انشغال شديد بحجم تراجع الدولار هذا العام، مع ميل إلى التهويل والتوسع في هذا الأداء الضعيف… وهذا سلوك يشبه الفقاعات، ولا نشعر بالارتياح تجاهه".
ويرى ماكل أن الروابط التقليدية بين الدولار وأسواق الفائدة أو الأصول الأخرى – والتي اختلت في النصف الأول من العام نتيجة الفوضى والغموض – قد تعود إلى مسارها الطبيعي مع انقشاع الضباب عن الحرب التجارية وصورة السياسات الاقتصادية.
وفي هذا السياق، يُعدّ مثيرًا للاهتمام أن يشهد مؤشر الدولار (DXY) انتعاشًا خلال يوليو، إذ استعاد قرابة 2% من خسائر العام في غضون أسبوعين فقط، بالتزامن مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة لأجل سنتين و10 سنوات بحوالي 25 نقطة أساس، وزيادة الفارق بين العوائد الأميركية والأوروبية لأجل عامين بأكثر من 20 نقطة أساس.
وجهة نظر مغايرة
وجهة النظر البديلة تشير إلى أن تراجع الدولار هذا العام قد يكون مبالغًا فيه بفعل روايات إيجابية قوية في أوروبا، تتعلق بالحوافز المالية ومراجعة تقييمات الأصول الرخيصة نسبيًا.
وحتى إذا كان الدولار في "فقاعة" عند بداية العام، فإن المبالغة في تقييمه لم تُصحَّح بالكامل حتى الآن. وإذا كانت إدارة ترامب تسعى فعلاً إلى سعر صرف "أكثر عدالة"، فقد يكون أمام الدولار طريق أطول للهبوط.
يجدر بالذكر أن مؤشر الاحتياطي الفيدرالي لقيمة الدولار الحقيقية الفعلية على أساس التجارة قد ارتفع بنحو 40% خلال أكثر من 10 سنوات حتى نهاية العام الماضي – وهو مستوى يراه كثير من الخبراء أعلى من قيمته العادلة بنسبة تتراوح بين 10% إلى 20%، إذا ما تم احتساب الاتجاهات التاريخية والأسس الاقتصادية واختلالات ميزان المدفوعات.
لكن هذا المؤشر تراجع بنسبة لا تتجاوز 6% فقط حتى نهاية يونيو.
وإذا عادت العلاقة التقليدية بين الدولار وأسعار الفائدة في النصف الثاني من العام، فقد يحدث ذلك في وقت تبدأ فيه أسعار الفائدة الأميركية بالتراجع، بينما تكون نظيرتها الأوروبية قد بلغت القاع.
فكل الفقاعات مصيرها في النهاية إلى الانكماش، حتى وإن لم تنفجر فجأة – وقد ينطبق الأمر ذاته على "الفقاعات العكسية". لكنها، مثلها مثل الفقاعات العادية، قد تستمر لفترة أطول مما يتوقعه الكثيرون.