في البورصات، حيث الفارق بين الربح والخسارة يُقاس بالميلي ثانية، تبرز معركة جديدة حول سؤال قديم: متى تتحول المراجحة السعرية (Arbitrage) إلى تلاعب بالسوق؟
وضعت الهند، عبر هيئة الأوراق المالية والبورصات (SEBI)، هذا السؤال في صدارة المشهد بعد أن أوقفت مؤقتاً شركة "جين ستريت - Jane Street" الأميركية، إحدى أكبر شركات التداول عالي التردد، متهمةً إياها بـ"تلاعب واسع النطاق" في مؤشر Nifty 50، بحسب ما ذكرته شبكة "CNBC".
مراجحة سعرية أم تلاعب؟
المراجحة السعرية (Arbitrage) هي ممارسة قانونية تهدف إلى استغلال الفروقات السعرية لنفس الأصل المدرج في سوقين مختلفين أو بين الأصل والمشتقة المالية له في نفس السوق لتحقيق أرباح. أما التلاعب بالسوق، فهو جريمة تهدف إلى خداع السوق أو التأثير على الأسعار بشكل غير عادل.
يلخص الخبراء موقع الخط الفاصل، بين التلاعب وقانونية هذا الأسلوب في التجارة بأنه يكمن في النية والتأثير!
استراتيجية "غير بريئة"
في أمر مؤقت من 105 صفحات، اتهمت "SEBI" شركة "جين ستريت" بشراء كميات ضخمة من الأسهم والعقود المستقبلية المرتبطة بمؤشر "Nifty Bank" في بداية التداول، ثم الرهان على انخفاضه لاحقاً. وبعد ذلك، قامت ببيع تلك المراكز، ما أدى إلى انخفاض المؤشر وزيادة أرباحها من عقود الخيارات.
وصفت الهيئة هذه التحركات بأنها "استراتيجية متعمدة للتلاعب بالمؤشرات"، مشيرة إلى أن حجم التداول وسرعة التخارج من المراكز "دون مبرر اقتصادي واضح" يُعد تلاعباً.
الشركة ترد
نفت "جين ستريت" الاتهامات، مؤكدة أن ما قامت به هو "مراجحة سعرية أساسية في المؤشرات". وأبلغت موظفيها بنيّتها الطعن في القرار، وأودعت لاحقاً مبلغ 567 مليون دولار في حساب ضمان، كما طلبت رفع الحظر واستئناف التداول في الهند.
من جانبه، يرى الخبير المالي، براديب ياداف أن الفرق بين "المراجحة السعرية" و"التلاعب" يكمن في ما يُعرف قانونياً بـ"mens rea" أو "النية المذنبة". فإذا كان المتداول يخلق فرصة المراجحة السعرية عبر التأثير على سوق أقل سيولة، فإن ذلك يُعد تلاعباً.
وبحسب SEBI، تمتلك الهند سوق خيارات نشطاً، لكن سوق الأسهم والعقود المستقبلية أقل سيولة، ما يجعلها عرضة للتأثير عبر تداولات ضخمة.
وأشارت "SEBI" إلى أن "جين ستريت" تكبّدت خسائر متكررة في الأسهم والعقود المستقبلية، بينما حققت أرباحاً كبيرة من الخيارات، ما يعزز فرضية أن الهدف لم يكن الاستثمار الحقيقي، بل تحريك الأسعار.
وجهات نظر متباينة: هل كانت الاستراتيجية قانونية؟
من جانبه، يرى الخبير والعضو السابق في "SEBI"، في راغوناثان أن ما قامت به "جين ستريت" يدخل ضمن نطاق المراجحة السعرية القانونية، حتى وإن كان عدوانياً. ويضيف: "المراجحة السعرية، وإن بدت مفترساً، غالباً ما تعزز كفاءة السوق".
لكنّه يحذر من أن الاقتراب من حدود التلاعب، سواء في النية أو في التطبيق، قد يثير قلق الجهات التنظيمية.
الهيكل السوقي في الهند تحت المجهر
سلطت القضية الضوء على هشاشة البنية السوقية في الهند، خاصةً الفجوة بين سيولة الأسواق المختلفة، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات معقدة قد تكون قانونية، لكنها تثير تساؤلات أخلاقية وتنظيمية.
وفي دراسة حديثة، كشفت SEBI أن 91% من المتداولين الأفراد في المشتقات خسروا أموالهم العام الماضي.
بدوره، قدم المحامي الأميركي هوارد فيشر تشبيهاً مثيراً: "المراجحة السعرية يتشبه شراء تأمين على منزل جارك لأنه يترك الشموع مشتعلة. أما التلاعب، فهو أن تهديه ألعاب نارية وخزانات غاز في عيد الاستقلال!"