سوق المال. ليست مجرد جداول وأرقام جامدة، بل هي نبض حي، أوركسترا تتناغم فيها طموحات الملايين وتحديات البناء. تطل علينا توصيات مجلس الشورى الأخيرة كبوابة لآفاق جديدة. فقد طالب المجلس هيئة السوق المالية بدراسة إنشاء سوق خاصة للمستثمرين المؤهلين لتداول أدوات الدين المضمونة برهن عقاري، إلى جانب التوسع في الإدراج المزدوج للأسهم. هذه الخطوات الاستراتيجية، التي تهدف إلى تعميق وتنوع سوق المال السعودية، تحمل في طياتها فرصًا اقتصادية واعدة، وتستلهم تجارب عالمية رائدة، مع ضرورة إرساء ضوابط صارمة لإدارة أي مخاطر محتملة، لضمان سوق مالية مستقرة وشفافة تدعم مسيرة التنمية الشاملة.
هذه التوصيات، تفتح الباب أمام آفاق جديدة لنمو الاقتصاد الوطني. فما هي أهمية هذه الخطوات، وكيف يمكن للتجارب الدولية أن تثري مسيرتنا، وما هو الأثر الاقتصادي المتوقع، وما هي المخاطر التي يجب أخذها في الحسبان لضمان سوق مالية مستقرة وشفافة؟
يُعد إنشاء سوق متخصصة لأدوات الدين المضمونة برهن عقاري خطوة استراتيجية متعددة الأبعاد. ففي ظل النمو المتسارع الذي يشهده القطاع العقاري بالمملكة، والحاجة المتزايدة لخيارات تمويل متنوعة، توفر هذه الأدوات قناة جديدة للسيولة. تتيح هذه الأدوات، سواء كانت صكوكًا أو سندات، للمطورين العقاريين وشركات التمويل الحصول على رأس مال لتمويل مشاريعهم بضمان أصول عقارية، مما يقلل من مخاطر الإقراض بالنسبة للمستثمرين. الأهمية لا تقتصر على التمويل فحسب؛ بل تمتد لتوفير فرص استثمارية جديدة للمستثمرين المؤهلين، وهم عادةً المؤسسات المالية الكبرى مثل البنوك وصناديق الاستثمار وشركات التأمين، التي تبحث عن أدوات ذات عوائد مستقرة ومخاطر محسوبة مدعومة بأصول حقيقية. هذه السوق المتخصص سيساهم في تطوير سوق الدين بشكل عام، ويعزز الشفافية، ويوفر معايير واضحة لتسعير هذه الأدوات، كما أنه يقلل من الضغط على المصادر التقليدية للتمويل ويدعم التوجه نحو تنويع مصادر الدخل والتمويل في الاقتصاد الوطني.
بالانتقال إلى توصية مجلس الشورى بالتوسع في الإدراج المزدوج للأسهم، فهي بمثابة دعوة صريحة للشركات السعودية لرفع سقف طموحها والتحليق في فضاءات الأسواق المالية العالمية. الإدراج المزدوج يعني أن تُدرج أسهم الشركة الواحدة للتداول في سوق الأسهم السعودية (تداول) وفي بورصة أجنبية أخرى في نفس الوقت. تكمن أهمية هذه الخطوة في تسهيل جذب رؤوس الأموال الأجنبية، مما يزيد من جاذبية الشركات ويجلب سيولة إضافية من خارج المملكة. علاوة على ذلك، تتطلب البورصات العالمية معايير عالية من الشفافية والإفصاح والحوكمة، مما يدفع الشركات المدرجة مزدوجًا لتبني أفضل الممارسات الدولية، وينعكس إيجابًا على ثقة المستثمرين المحليين والدوليين. كما يمنح الإدراج في بورصات عالمية الشركات السعودية حضورًا عالميًا، ويعزز من علامتها التجارية، ويكسبها سمعة دولية، ويقلل من اعتماد الشركة على سوق واحدة فقط، مما يوفر لها مرونة أكبر في مواجهة تقلبات الأسواق المحلية.
لقد سبقت العديد من الأسواق المالية العالمية المملكة في تبني هذه المبادرات، وقدمت تجارب ثرية يمكن الاستفادة منها. ففي الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، تعد أسواق أدوات الدين المضمونة بالأصول العقارية مكونًا حيويًا للقطاع المالي، وقد ساهمت في استقرار وتطوير القطاع العقاري وتوفير أدوات استثمارية متنوعة. كما أن كبرى الشركات العالمية تتبنى الإدراج المزدوج لتوسيع قاعدة مستثمريها وتعزيز مكانتها عالميًا. الأثر الاقتصادي المتوقع من تطبيق هذه التوصيات على السوق السعودية كبير ومتعدد الجوانب، حيث ستتحول السوق إلى مركز مالي إقليمي ودولي أكثر جاذبية وتنافسية، وقادر على استيعاب وتوليد أدوات مالية متنوعة. وستوفر هذه الآليات الجديدة قنوات تمويل إضافية للمشاريع الضخمة التي تتطلب رؤوس أموال هائلة، خاصة تلك المرتبطة بالقطاع العقاري والتطوير العمراني، مما يزيد من السيولة في السوق عبر تدفق الاستثمارات الأجنبية الجديدة، وزيادة خيارات التداول، كما سيقدم للمستثمرين المحليين والدوليين خيارات أوسع للاستثمار، ويساهم في خلق بيئة أعمال أكثر تطورًا وشفافية، وتشجع الشركات على الارتقاء بمعاييرها التشغيلية والحوكمة.
رغم الفوائد الجمة لهذه المبادرات، فإن أي سوق مالية جديدة أو توسع في نطاق التداول يحمل معه مخاطر محتملة يجب إدارتها بفاعلية لضمان سلامة واستقرار السوق. ففي سوق أدوات الدين العقاري، تبرز مخاطر تقلبات سوق الرهن العقارية، وجودة الأصول الضامنة، ومخاطر السيولة التي قد تصعب بيع الأدوات بسرعة، إلى جانب تعقيد التقييم ومخاطر الائتمان المرتبطة بقدرة الجهات المصدرة على السداد. أما الإدراج المزدوج، فقد يحمل تحديات ازدواجية التنظيم بين البورصات المختلفة، وتكاليف إضافية للإدراج، فضلاً عن تقلبات الأسعار التي قد تنشأ من التداول في سوقين متغايرتين. للتخفيف من هذه المخاطر وضمان سوق آمنة وفعالة، يجب وضع ضوابط تنظيمية صارمة وواضحة، تشمل لوائح شاملة لأدوات الدين العقاري تحدد معايير جودة الأصول والتصنيف الائتماني ومتطلبات الإفصاح، وتطوير إطار تنظيمي مرن وداعم للإدراج المزدوج ينسق المتطلبات مع البورصات الدولية، إلى جانب تعزيز آليات المراقبة والإشراف وتوعية المستثمرين (المؤهلين) بالمخاطر المحددة.
توصيات مجلس الشورى بإنشاء سوق لأدوات الدين العقاري والتوسع في الإدراج المزدوج للأسهم ليست مجرد إجراءات تنظيمية، بل هي خطوات استراتيجية نحو بناء سوق مالية أكثر نضجًا وقوة. إن الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، مع التكيّف مع خصوصية السوق السعودية، وضمان وجود إطار تنظيمي قوي وشفاف لإدارة المخاطر، سيضمن تحقيق هذه الأهداف. ومع التزام هيئة السوق المالية بدراسة هذه التوصيات، فإننا على أعتاب مرحلة جديدة واعدة، ستعزز من دور السوق المالية كركيزة أساسية لدعم التنمية الاقتصادية الشاملة والمستدامة في المملكة، وتحقيق الطموحات الكبرى لرؤية 2030.
* نقلا عن صحيفة "مال"