ارتفعت وتيرة التجارة غير المشروعة للذهب المسروق حول العالم، حيث بات يوجد في العالم سوق موازية يتم فيها تداول الذهب الذي تقوم عصابات كبرى ومسلحة بنهبه من المناجم في جنوب أفريقيا أو في بعض الدول الأخرى التي ترتخي فيها قبضة الدولة.
ونشرت جريدة "فاينانشال تايمز" البريطانية تقريراً موسعاً اطلعت عليه "العربية Business"، استعرض هذه الظاهرة، وأكد أن عصابات كبرى تقوم بتنفيذ غارات تستمر عدة أيام على مناجم الذهب في بعض البلدات في جنوب أفريقيا وتقوم بسرقة كميات من الذهب وتبيعها في السوق بشكل غير مشروع.
وقال أحد أصحاب المتاجر عن المجرمين المسلحين الذين بدأوا يترددون على متاجر الأدوات المنزلية في بلدة "ستيلفونتين" في جنوب أفريقيا: "نرى سياراتهم محملة بالأسلحة والمعدات. إنهم ليسوا من هنا. يأتون لبضعة أيام فقط ثم يختفون مجدداً".
وتقول الصحيفة البريطانية إن رجال العصابات يتواجدون هناك للاستفادة من اقتصاد سري وحشي ولكنه مزدهر، حيث يُجبر آلاف عمال المناجم الفقراء على العمل في أعماق مناجم جنوب أفريقيا المهجورة، والتي كانت في يوم من الأيام من بين أكثر مناجم العالم ربحية، بينما يتصارع المجرمون من أجل السيطرة عليها.
وقال لويس نيل، مستشار أمن التعدين في جنوب أفريقيا: "هناك حروب صغيرة تدور تحت الأرض. يتقاتلون فيما بينهم، ويستخدمون العبوات الناسفة المرتجلة".
وبحسب التقرير فإن هذا هو الجانب المظلم من حمى الذهب في القرن الحادي والعشرين، حيث تتكدس جماعات الجريمة المنظمة من جميع أنحاء أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى جنوب شرق آسيا وأعماق الأمازون في التعدين غير المشروع لتغذية واحدة من أكثر المهن ربحاً في السنوات الأخيرة.
وارتفعت قيمة الذهب ثلاثة أضعاف خلال العقد الماضي، وأكثر من الربع منذ بداية هذا العام وحده، حيث يبحث المستثمرون عن الأمان من الحروب التجارية والتضخم والتوترات الجيوسياسية.
وتشير الصحيفة إلى أن قابلية الذهب للاستبدال وسهولة تحويله إلى سيولة نقدية هي التي تجعل من التعدين نقطة جذب للجميع من "كلان ديل جولفو"، وهي أكبر جماعة مسلحة في كولومبيا، إلى الأطراف المتحاربة في الصراع الأهلي المدمر في السودان.
تعدين الذهب غير المشروع
وتختلف التقديرات، لكن صناعة تعدين الذهب غير المشروع تبلغ قيمتها عشرات المليارات من الدولارات سنوياً، حيث تقول الأمم المتحدة إن جماعات الجريمة المنظمة "مدمجة" في سلاسل التوريد.
وقدرت منظمة "سويس إيد" غير الربحية العام الماضي أن 435 طناً من الذهب -أي ما يعادل 31 مليار دولار في ذلك الوقت- تم تهريبها من أفريقيا في عام 2022، وهو ضعف الحجم قبل عقد من الزمان.
وفي بيرو، أكبر منتج للذهب في أميركا الجنوبية، على سبيل المثال، قدرت الهيئة التنظيمية المالية أن أكثر من 40 في المئة من صادرات الذهب البالغة 15 مليار دولار في العام الماضي كانت غير قانونية.
وقالت ساشا ليجنيف، مستشار السياسات في "ذا سينتري"، وهي منظمة استقصائية تسعى إلى تعطيل الشبكات المستفيدة من النزاعات المسلحة: "تجني الشركات الإجرامية أموالاً من تجارة الذهب أكثر من المخدرات.. هذه تجارة ضخمة".
وتلعب قوى السوق السوداء العالمية هذه دوراً متزايداً في أميركا الجنوبية، حيث تقع غابات الأمازون المطيرة في طليعة صعود ما يسمى "تجار المخدرات".
وقال برام إيبوس، المدير المشارك لأمازون أندروورلد، وهي منصة استقصائية: "جاءت جماعات الجريمة المنظمة إلى الأمازون للحصول على الكوكايين، مستخدمة هذه المناطق النائية كمخابئ لمختبرات المخدرات وممرات للاتجار لكنهم بقوا من أجل الذهب".
ولطالما كانت منطقة الغابات المطيرة في البرازيل موطناً لعمليات تعدين برية محدودة النطاق، وغالباً ما تكون غير مرخصة، تُعرف باسم "غاريمبو"، حيث لعقود، شكّل هذا النشاط شريان الحياة الاقتصادية في أماكن مثل إيتايتوبا، عاصمة غسل الذهب غير الرسمية في البلاد.
آلاف المناجم المهجورة
ويقول التقرير إن جنوب أفريقيا، التي كانت في وقت ما أكبر منتج للذهب في العالم، تُعدّ الآن هدفاً سهلاً بفضل ارتفاع معدلات البطالة وتفشي الجريمة، حيث استولى ما يُسمى بعمال مناجم "زاما زاما" على آلاف المناجم المهجورة، وكثير منهم عمال مهاجرون فقراء من دول مثل إيسواتيني وموزمبيق.
ولكن بينما اتخذت السلطات إجراءات صارمة بقطع الطعام والماء عن المناجم واحتجاز من يخرج منها، يقول المحللون إن القوى التي تقف وراء ذلك يصعب إيقافها. وقال نيل، مستشار الأمن: "يجب الوصول إلى الممولين والأشخاص الذين يحققون الأرباح بالفعل".
ويمكن القول إن العواقب الوخيمة لهذه الحمى الجديدة للذهب كانت أكثر وضوحاً في السودان، حيث ساعدت أرباح التعدين في تمويل حرب أهلية قُتل فيها ما لا يقل عن 150 ألف شخص.