تواجه شركات السيارات الكبرى الغربية تحديات غير مسبوقة، وسط ما يصفه خبراء الصناعة بـ"الأزمة المركبة" أو "Polycrisis"، حيث تتداخل الأزمات وتتعاظم آثارها، لتشكل عائقاً أمام التحول التاريخي نحو السيارات الكهربائية.
من ارتفاع تكاليف الإنتاج، إلى الرسوم الجمركية الأميركية، مروراً بالمنافسة الصينية الشرسة، واضطرابات سلاسل التوريد، وضغوط تنظيمية متزايدة، تبدو شركات مثل "مرسيدس"، و"فولكس فاغن"، و"بي إم دبليو" وكأنها في مواجهة عاصفة متعددة الأوجه.
وقال الرئيس التنفيذي لمجموعة "مرسيدس-بنز"، أولا كالينيوس: "نحن نواجه أمطاراً غزيرة، وبرد، وعواصف، وثلوج... كلها في وقت واحد"، وفقاً لما نقلته شبكة "CNBC"، واطلعت عليه "العربية Business".
تحول كهربائي مكلف.. ودعم مفقود
رغم أن التحول نحو السيارات عديمة الانبعاثات يعد أكبر تغيير في تاريخ الصناعة، إلا أن الطريق نحو الكهرباء لا يبدو ممهداً. فالاتحاد الأوروبي فرض خفضاً بنسبة 55% في انبعاثات الكربون من السيارات الجديدة بحلول 2030، مع حظر بيع سيارات البنزين والديزل نهائياً بحلول 2035.
لكن شركات السيارات الأوروبية تقول إن هذه الأهداف الطموحة لا يمكن تحقيقها دون دعم حكومي حقيقي. وقالت سيغريد دي فريز، المديرة العامة لرابطة مصنعي السيارات الأوروبية: "لدينا أيدٍ مقيدة... لا يمكننا تنفيذ هذه الأهداف بمفردنا".
ومن المقرر أن يجتمع عدد من كبار التنفيذيين في قطاع السيارات مع رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في 12 سبتمبر، لمناقشة مستقبل الصناعة.
الصين تدعم.. وأوروبا تتراجع
في الوقت الذي تقدم فيه الصين دعماً واسعاً لصناعتها المحلية عبر الإعفاءات الضريبية وتمويل الأبحاث، تواجه الشركات الأوروبية ضغوطاً تنظيمية دون حوافز كافية.
وقالت المحللة في "مورنينغ ستار"، ريلا سوسكين: "الصين تدعم صناعتها بقوة، بينما أوروبا تفرض قيوداً دون أن توفر بيئة محفزة... الشركات أنفقت مليارات على التحول الكهربائي، لكن الطلب لا يوازي الاستثمار".
تراجع العولمة.. وصعود الحماية
إلى جانب التحديات البيئية، تواجه الصناعة تغيرات جذرية في خريطة التجارة العالمية. فسياسات الحماية التجارية، والرسوم الجمركية الأميركية، وتراجع العولمة، أجبرت الشركات على إعادة التفكير في استراتيجيات الإنتاج والتوزيع.
وقال نائب رئيس التحليل في "ستاندرد آند بورز غلوبال"، هنر لينيه: "ما كان يوماً سوقاً عالمياً موحداً، أصبح الآن مجزأً... يتطلب استراتيجيات إنتاج محلية، ومنتجات مخصصة لكل سوق، ونماذج ربح جديدة".
الابتكار هو الرهان الأخير
في مواجهة هذه العاصفة، تراهن شركات السيارات الغربية على الابتكار. فوفقاً لرابطة صناعة السيارات الألمانية، ستستثمر الشركات نحو 320 مليار يورو في البحث والتطوير بين عامي 2025 و2029، منها 220 مليار يورو في الاستثمارات الرأسمالية.
كما تتجه الشركات نحو إنتاج السيارات الهجينة، ونقل خطوط الإنتاج إلى دول منخفضة التكلفة، والدخول في شراكات استراتيجية مع شركات صينية.
ورغم أن البعض يرى أن ما يحدث ليس أزمة شاملة، بل مرحلة انتقالية، إلا أن مستقبل الصناعة سيعتمد على قدرة الشركات على التكيف مع واقع جديد، يتطلب مرونة، واستثماراً ذكياً، ودعماً سياسياً واضحاً.