تقدّم إثيوبيا "سد النهضة الكبير" الذي دشّنته رسمياً اليوم الثلاثاء ويشكّل منذ أعوام موضع توتر مع مصر والسودان، على أنّه أكبر مشروع لتوليد الطاقة الكهرومائية في إفريقيا.
وترى ثاني أكبر دولة في القارة الأفريقية من حيث عدد السكان البالغ 130 مليون نسمة، أن السد الذي تبلغ تكلفته 5 مليارات دولار والمشيد على أحد روافد نهر النيل، أساسي لطموحاتها في التنمية الاقتصادية.
بدأ بناء السد في عام 2011، وزادت طاقة السد تدريجيا منذ تشغيل أول توربين في 2022، لتصل إلى طاقتها القصوى البالغة 5150 ميغاوات اليوم الثلاثاء. وهذا يضعه ضمن أكبر 20 سدا لتوليد الطاقة الكهرومائية في العالم- أي ما يعادل ربع طاقة سد الخوانق الثلاثة الصيني، وفق وكالة "رويترز".
بينما يرى خبراء أن سدّ النهضة يعدّ بمثابة تعهّد بـ"ثورة في مجال الطاقة" في إثيوبيا، إذ يشكك آخرون في تلك الطموحات. حيث اعتبر أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، في تصريحات سابقة مع "العربية.نت"، التصريحات الإثيوبية بإنتاج كهرباء أكثر من 2700 غيغاوات/ساعة خلال العام الماضي "أكذوبة وغير حقيقية والهدف منها رسالة إلى الشعب الإثيوبي الذي طال انتظاره لفوائد سد النهضة التي لم يشعر بها رغم توفر المياه بعد التخزين الرابع في سبتمبر 2023."
وقال إن تشغيل التوربينات من عدمه لا يمثل أهمية بالنسبة لمصر، بل إن من مصلحة مصر والسودان تشغيل التوربينين بكامل طاقتهما لأن ذلك يعني إمرار مياه من خلالهما، وهما المصدر الوحيد الآن لمرور المياه في النيل الأزرق نحو السودان ومصر بعد غلق بوابتي التصريف في 27 يناير 2024.
غلق مؤقت لبوابات سد النهضة
وبحسب شراقي، على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، "فإنه كان المفروض تفريغ تدريجي لـ 20-30 مليار متر مكعب يومياً من يناير إلى يوليو من العام الجاري، ثم إعادة الملء خلال موسم الأمطار، ولكن لم يحدث ذلك بسبب الادعاء بأن التوربينات تعمل بكفاءة، ولو فتحت البوابات لتأكد عدم التشغيل"، مشيراً إلى وجود تخبط كبير في إدارة السد نظرا للمشاكل الفنية في تركيب وتشغيل التوربينات ما يؤثر بشدة على سد الروصيرص في السودان الذى يبعد 100 كم عن سد النهضة، متابعاً: "غير منطقي أن يكون السد ممتلئا قبل بداية موسم فيضان كبير يأتي فيه 41 مليار متر مكعب يومياً من يوليو إلى أكتوبر.
قالت أديس أبابا إن السد سيوفّر إيرادات قدرها مليار دولار سنويا من الكهرباء المباعة لجيرانها. وفي مطلع أيلول/سبتمبر، أكد رئيس وزرائها أبيي أحمد أن هذه المداخيل سيتم استثمارها "في مشاريع أخرى"، مشيرا إلى أن أديس أبابا تعتزم إقامة "مشاريع أخرى مثل مشروع سدّ النهضة الكبير خلال السنوات الخمس أو العشر أو الـ15 المقبلة".
تفيد وسائل الإعلام المحلية بأن البنك المركزي الإثيوبي قدم 91% من تمويل المشروع، بينما مول الإثيوبيون 9% من خلال مبيعات السندات والهبات، دون أي مساعدات أجنبية.
وقال سلطان عبد الله حسن، وهو مزارع يسكن بالقرب من السد، إن السد زود قريته بالكهرباء.
وأضاف لرويترز خلال حفل الإطلاق "لدينا الآن ثلاجات. يمكننا شرب الماء البارد. نستخدم الكهرباء الآن في كل شيء".
وفي حين أن الطاقة الإضافية ستدعم صناعة تعدين بيتكوين المزدهرة في إثيوبيا، فإن معظم سكان الريف الإثيوبيين قد يضطرون للانتظار لفترة أطول قليلا للاستفادة منها.
وتشكل شبكات النقل غير المتطورة في المناطق الريفية عائقا رئيسيا أمام الحصول على الكهرباء. فبينما بلغت نسبة تغطية المناطق الحضرية بالكهرباء 94% اعتبارا من 2022، يشير البنك الدولي إلى أنه لم يحصل سوى 55% من إجمالي السكان على الكهرباء.
تهديد وجودي
غير أنّ المشروع يواجه انتقادات شديدة من مصر التي تعتبره تهديدا وجوديا إذ قد يؤدي إلى تراجع مواردها المائية. وتعوّل مصر البالغ عدد سكانها نحو 110 ملايين نسمة، على النيل لتغطية 97% من احتياجاتها من المياه، ولا سيما للزراعة.
وبحسب وزارة الموارد المائية والري المصرية، فإن موارد مصر المائية تقدر بنحو 56.6 مليار متر مكعب سنويا، في حين تبلغ احتياجاتها نحو 114 مليار متر مكعب سنويا.
وفي أغسطس/ آب، أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن "من يعتقد أن مصر ستغض الطرف عن تهديد أمنها المائي فهو مخطئ" مؤكدا "سنتخذ التدابير المكفولة كافة بموجب القانون الدولي للحفاظ على مقدرات شعبنا الوجودية".
وقامت السلطات المصرية مؤخرا بالتقارب مع الدولتين المحاذيتين لإثيوبيا، إريتريا التي شهدت علاقاتها مؤخرا توترا مع أديس أبابا، والصومال.
كذلك أعرب السودان عن قلقه حيال تشغيل سد النهضة وشدد في موقف مشترك مع مصر في أواخر حزيران/يونيو على "رفض الإجراءات الأحادية في حوض النيل الأزرق".
وفشلت كل محاولات الوساطة بين الدول الثلاث، مصر وإثيوبيا والسودان، والتي قامت بها تواليا الولايات المتحدة والبنك الدولي وروسيا والإمارات العربية المتحدة والاتحاد الإفريقي.