تراهن الإدارة الأميركية على الرسوم الجمركية في مفاوضاتها للحصول على مكاسب تجارية أو اقتصادية وأحياناً سياسية، لكن تقريرا حديثا لـ "أوكسفورد إيكونوميكس" يشير إلى أن مؤشرات النصر في المعركة الحالية لا تعني بالضرورة الفوز بالحرب.
منذ فبراير الماضي صعّدت الولايات المتحدة من حربها التجارية، وارتفعت الرسوم المفروضة على الواردات بشكل غير مسبوق، لتقفز من 2.5% إلى أكثر من 10%، وسط توقعات بأن تبلغ ذروتها عند 15% قريباً. ورغم هذه القفزة، أظهرت المؤشرات الاقتصادية أن الاقتصادين الأميركي والعالمي لم يتأثرا بشكل كبير حتى الآن.
ففي الولايات المتحدة، سجل الناتج المحلي الإجمالي نمواً تجاوز 3% خلال الربع الثاني، بينما بلغ النمو العالمي نحو 2.9% في النصف الأول من العام، متفوقاً على الفترة نفسها من العام الماضي. أما الأسواق المالية، فقد استعادت عافيتها سريعاً بعد التراجع الأولي، حيث ارتفع مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" بنسبة 7% منذ بداية العام، فيما صعدت الأسهم العالمية خارج أميركا بنسبة 13% بالعملات المحلية.
هذه الأرقام قد تُفسر من قبل مؤيدي السياسات التجارية الجديدة على أنها دليل نجاح، خاصة مع إبرام واشنطن سلسلة من الاتفاقيات التجارية غير المتكافئة، رفعت الرسوم على شركائها وخفضت الحواجز أمام السلع الأميركية.
لكن هذا الزخم الاقتصادي لا يبدو مستداماً، بحسب ما ذكرته "أوكسفورد إيكونوميكس"، واطلعت عليه "العربية Business". فالنمو في النصف الأول استفاد من طفرة في استثمارات قطاع التكنولوجيا، بينما تباطأت المبيعات النهائية للمستهلكين المحليين. كما بدأت مؤشرات سوق العمل تظهر بعض الضعف، مع تباطؤ نمو الوظائف. وتشير التوقعات إلى تراجع النمو الأميركي إلى ما بين 1.2% و1.3% في الربعين الثالث والرابع، فيما يُتوقع أن ينخفض النمو العالمي إلى 1.5%.
الرسوم الجمركية.. قنوات متعددة لتأثيرات سلبية
السبب الرئيسي وراء هذا التباطؤ المتوقع هو تراجع الاستثمار في الأعمال، نتيجة ارتفاع حالة عدم اليقين في السياسات التجارية والاقتصادية. وتشير استطلاعات حديثة إلى أن هذا الغموض بدأ يؤثر سلباً على الإنفاق الرأسمالي.
ورغم أن التباطؤ الأميركي يُتوقع أن يكون مؤقتاً، إلا أن هناك عدة قنوات قد تؤدي إلى نتائج أكثر سلبية، بحسب المذكرة التي اطلعت عليها "العربية Business".
حيث أشار التقرير إلى تراجع الدولار... فعلى عكس المتوقع، لم تؤد الرسوم المرتفعة إلى تقوية العملة الأميركية، بل شهد الدولار انخفاضاً ملحوظاً، ما يعكس شكوكاً حول مستقبل الاقتصاد الأميركي. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، ما قد يضغط على النمو.
على الجانب الأخر فإن ضعف الإنتاجية، كان أحد ثمرات السياسة الجديدة، خاصةً وأن السياسات الحمائية قد تجعل الاقتصاد الأميركي أقل انفتاحاً، ما ينعكس سلباً على الإنتاجية. فالحماية الزائدة تقلل من المنافسة والابتكار، وتحد من قدرة الشركات على الاستفادة من وفورات الحجم، وتضعف جودة المدخلات المتاحة للمصنعين المحليين.
وقالت "أكسفورد إيكونوميكس" إن دراسات متعددة تشير إلى أن ارتفاع الرسوم الجمركية قد يؤدي إلى تراجع ملموس في الإنتاجية والنمو، خاصة إذا طالت الرسوم السلع الوسيطة ومدخلات الإنتاج. كما أن التأثيرات السلبية قد تظهر على المدى الطويل، كما حدث في بريطانيا بعد تطبيق الحمائية في ثلاثينيات القرن الماضي.
هل تنقذ التكنولوجيا الموقف؟
في التوقعات الأساسية، يُفترض أن تأثير الرسوم على الإنتاجية سيتم تعويضه جزئياً من خلال مكاسب منتظرة من الذكاء الاصطناعي. لكن هذه المكاسب لا تزال غير مؤكدة من حيث الحجم والتوقيت. وإذا تراجعت الثقة في قطاع التكنولوجيا، فقد نشهد تصحيحاً حاداً في أسواق الأسهم، ما قد ينعكس سلباً على النمو، كما حدث في أزمة 2001-2002.
هل تنقلب الطاولة على واشنطن؟ شركاء التجارة يلوّحون بالرد
رغم التصعيد الأميركي في فرض الرسوم الجمركية، إلا أن ردود الفعل من الشركاء التجاريين ظلت محدودة حتى الآن. الصين وكندا كانتا الاستثناء الأبرز، لكن الأخيرة خففت من إجراءاتها مؤخراً. ومع ذلك، فإن هذا "الهدوء" قد لا يدوم طويلاً.
فمع تزايد الضغوط على المصدرين الأجانب نتيجة الرسوم الأميركية المرتفعة، قد تجد حكومات الدول المتضررة نفسها مضطرة للرد، سواء عبر فرض رسوم مضادة، أو من خلال سياسات صناعية، أو حتى خفض قيمة عملاتها لدعم صادراتها.
الرد قد لا يكون رسمياً فقط، بل "ضمنياً" أيضاً، كما حدث في ثلاثينيات القرن الماضي، حين تراجعت الصادرات الأميركية بفعل ردود فعل غير مباشرة من الشركاء التجاريين.
وتشير بيانات حديثة إلى أن أداء الصادرات الأميركية بدأ يتراجع بالفعل مقارنة بنظرائها في الاقتصادات الكبرى.
هل تواصل واشنطن التصعيد؟
السيناريو الأكثر إثارة للقلق هو احتمال فرض المزيد من الرسوم الجمركية. فبعض القطاعات الصناعية بدأت تضغط على الإدارة الأميركية لزيادة الحماية، بحجة أن الرسوم على المدخلات أضعفت قدرتها التنافسية، وتطالب برسوم أعلى على المنتجات النهائية.
كما أن الإدارة الأميركية قد تلجأ إلى التصعيد إذا شعرت بأن أهدافها لم تتحقق، خصوصاً فيما يتعلق بإعادة إحياء التصنيع المحلي أو تقليص العجز التجاري. لكن الأدلة تشير إلى أن العلاقة بين الرسوم والعجز التجاري ليست واضحة، بل إن الرسوم قد تؤدي إلى تراجع الصادرات الأميركية، ما يفاقم العجز بدلاً من تقليصه.
ورغم أن التوقعات تشير إلى تقلص طفيف في العجز التجاري هذا العام، إلا أنه سيظل مرتفعاً عند نحو 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي.
مخاطر كبيرة على النمو العالمي
حتى الآن، نجحت الولايات المتحدة في تجنب تداعيات اقتصادية كارثية، وحققت بعض المكاسب السياسية والتجارية. لكن الصورة قد تتغير قريباً، مع تزايد المؤشرات على تباطؤ الأداء الاقتصادي.
وإذا خيب النمو الأميركي التوقعات، فإن ذلك سينعكس سلباً على الاقتصاد العالمي أيضاً. فالولايات المتحدة تمثل نحو 15% من الطلب العالمي على الواردات، وأصولها المالية تشكل جزءاً كبيراً من محافظ المستثمرين حول العالم، والأسواق العالمية تتأثر بشدة بأي تحولات في السياسات الأميركية.
وإذا أدت السياسات الأميركية إلى موجة من الحمائية في دول أخرى، فإن ذلك سيكون عبئاً إضافياً على النمو العالمي، خصوصاً في الاقتصادات الناشئة التي تعتمد على الانفتاح التجاري لنقل التكنولوجيا والحصول على مدخلات إنتاج عالية الجودة ومنخفضة التكلفة.
ورغم أن تباطؤ النمو الأميركي قد لا يجعله أبطأ من بقية دول مجموعة السبع، إلا أن سيناريو نمو دون 2% سنوياً خلال السنوات الخمس المقبلة، مع ما يحمله من تداعيات على الوظائف ومستوى المعيشة، قد لا يبدو "انتصاراً" حتى لو كانت الاقتصادات الأخرى أبطأ.