مع تصاعد استخدام التكنولوجيا في عمل الأجهزة الأمنية، تحولت مدينة نيويورك إلى مختبر ضخم للمراقبة الرقمية. وباتت شرطة المدينة، التي أنفقت مليارات الدولارات لبناء قواعد بيانات خفية، قادرة على تتبع حياة السكان لحظة بلحظة، في مشهد يثير مخاوف المدافعين عن الخصوصية من تحوّل الخيال العلمي إلى واقع يومي.
وشهدت السنوات الأخيرة توسعًا غير مسبوق في أنظمة المراقبة الرقمية التي تعتمدها شرطة نيويورك ومدن أميركية أخرى. تجمع هذه الأنظمة وتخزن كميات هائلة من البيانات عن السكان، تشمل أماكن وجودهم، وتفاعلاتهم الاجتماعية، وآراءهم وأفكارهم، دون قيود واضحة على كيفية الاستخدام أو مدة التخزين، وفقًا لـ"نيويورك تايمز".
أنفقت شرطة نيويورك أكثر من 3 مليارات دولار لبناء قواعد بيانات ضخمة تكشف تحركات الأفراد وعلاقاتهم.
بخلاف أساليب المراقبة التقليدية، تسمح الأدوات الرقمية الجديدة بمتابعة شاملة ومستمرة على نطاق واسع، أشبه بـ"آلة زمن رقمية" تجعل الماضي حاضرا دائما أمام السلطات، وتمكّنها من التنبؤ بسلوكيات مستقبلية.
كشفت التقارير الصحافية عن مراقبة الاحتجاجات السلمية والحفلات الموسيقية وحتى الأطفال في المدارس، بحجة "منع الجريمة قبل وقوعها". ويمكن حتى للخوارزميات التنبؤ بموعد مغادرة شخص ما من عمله والطريق الذي سيسلكه إلى منزله.
تهديد للحقوق المدنية
أثر هذا التوسع في المراقبة على الحقوق المدنية الأساسية، وربما يتسبب الانتماء إلى فئة سكانية معينة في تعرض الأفراد لتوقيفات متكررة أو فقدان فرص تعليمية ووظيفية وسكنية، بل وحتى مصادرة ممتلكاتهم.
ويبرز مثال المراهقين في أحياء بروكلين الشعبية، حيث يُدرجون في قاعدة بيانات العصابات بسبب سكنهم أو نشاطهم على وسائل التواصل. وتضم هذه القاعدة أكثر من 13 ألف اسم، 99% منهم من الأقليات، ما يعرضهم لمراقبة رقمية مستمرة وتوقيفات متكررة، وأحيانا يصل الأمر إلى مصادرة هواتفهم المحمولة، إذ صادرت الشرطة أكثر من 24 ألف هاتف في عام 2024.
هذا الواقع يدفع العديد من الأهالي للتفكير في تغيير مدارس أبنائهم خوفًا من التصنيف، ويتردد مواطنون في المشاركة في مظاهرات عامة تحسبًا لتتبع بيانات حضورهم.
ويعيش الأطفال الذين يتم توقيفهم عشوائيًا أمام منازلهم أو مدارسهم حالة من القلق المستمر، مما يخلق شعورًا عامًا بالارتياب وانتشار ثقافة الخوف.
وعلى الرغم من أن البعض يعتبرون المراقبة وسيلة وقائية، فإن المخاوف تتركز حول استغلال هذه البيانات مستقبلًا، مثل تتبع النساء اللواتي يزرن عيادات معينة أو إنشاء قوائم مراقبة تشمل تحركاتهن وعلاقاتهن ومعتقداتهن.
نظام بلا قيود والحاجة إلى تشريع
أقرت شرطة نيويورك باستخدام عشرات من أنظمة جمع البيانات، تُدمج لاحقًا في مركز تحليل يُعرف بـ"نظام وعي النطاق" (Domain Awareness System) الذي يحتفظ بالمعلومات لسنوات ويستخدمها للتنبؤ بالسلوكيات. معظم هذه البيانات لا تخضع لمراجعة قضائية، و90% من التقنيات المستخدمة لا تتطلب إذنًا قضائيًا.
تبنت مدن أخرى النهج ذاته، منها سان فرانسيسكو ونيو أورلينز، وصولًا إلى بلدات صغيرة مثل "أوستيل" في ولاية جورجيا.
على المستوى الفيدرالي، تسارعت وتيرة هذه الاستراتيجية مع توجيهات الإدارة الأميركية الأخيرة بدمج قواعد البيانات الحكومية، بما فيها مصلحة الضرائب والضمان الاجتماعي والخدمات الطبية، إلى جانب التوسع في التعاون مع شركات تكنولوجيا مثيرة للجدل مثل "بالانتير".
تثير كل هذه المؤشرات القلق بشأن غياب الضوابط الكافية وتهديد الخصوصية الفردية، وخاصة أن التدابير الفردية مثل استخدام شبكات "في بي إن" أو التطبيقات المشفّرة لا تكفي لحماية الخصوصية.
ويكمن السبيل الحقيقي لمواجهة هذه الرقابة الصارمة في إقرار تشريعات صارمة تمنع جمع البيانات على نطاق واسع ابتداءً، وتضع ضوابط واضحة لكيفية الوصول إليها، والأغراض المسموح باستخدامها فيها، والمدة الزمنية للاحتفاظ بها.
وبدون هذه الضمانات القانونية، ستظل الخصوصية معرضة للخطر، وسيبقى الرهان على مدى التزام القادة بالقيم الديمقراطية والحرية الفردية، وهو رهان أثبتت التجربة أنه هش للغاية.