تتبادر إلى الأذهان "الهند" عند ذكر خدمات التعهيد أو ما يعرف بـ"Outsourcing"، التي لطالما تصدرت قائمة الدول المزودة بهذه الخدمات حول العالم، وصنفتها "ديلويت" للاستشارات كوجهة رئيسية لتوفير خدمات التعهيد في أكثر من 30 دولة حول العالم. لكن المفاجأة أن الولايات المتحدة حلت في المرتبة الثانية في عدة تقارير حديثة، ليس كعميل فقط، بل كمزوّد لخدمات "الأوت سورسينغ" أيضاً.
في مشهد يبدو متناقضاً، تلعب الشركات الأميركية دوراً مزدوجاً، فهي تستعين بمصادر خارجية داخل البلاد لتبسيط العمليات والوصول إلى خبرات متخصصة، وفي الوقت نفسه، تستقطب شركات أجنبية لتوظيف أميركيين في مهام محددة، ما يخلق فرص عمل محلية جديدة، بحسب تقرير لشركة البيانات الألمانية "Statista".
ومن الأمثلة اللافتة على ذلك، شركة "Flixbus" الألمانية التي تدير خطاً ساخناً لخدمة العملاء في الولايات المتحدة خلال عطلات نهاية الأسبوع وساعات الليل، لتجنب دفع علاوات العمل الليلي المفروضة في أوروبا. بهذه الطريقة، تحصل الشركة على خدمة عالية الجودة بتكلفة أقل، وتستفيد من فرق العمل الأميركية دون خرق قوانين العمل المحلية.
لكن هذا النوع من "الاستعانة العكسية" لا يقتصر على خفض التكاليف، بل يمتد إلى رغبة الشركات الأجنبية في دخول السوق الأميركية أو الاستفادة من خبرات متقدمة في مجالات مثل البحث والتطوير وتكنولوجيا المعلومات.
الجدير بالذكر أن "التعهيد" أثار جدلاً واسعاً في الولايات المتحدة خلال العقد الأول من الألفية، حين فقدت البلاد آلاف الوظائف لصالح دول أخرى. واليوم، يعود الجدل مجدداً إلى الواجهة، مع دعوات من بعض الجمهوريين ومسؤولين سابقين في إدارة ترامب لفرض ضرائب أو رسوم على الشركات التي تستعين بمصادر خارجية.
لكن خبراء يحذرون من أن هذه السياسات قد تأتي بنتائج عكسية، إذ قد ترد الدول الأخرى بمنع شركاتها من توظيف أميركيين، ما يهدد مكانة الولايات المتحدة كمركز عالمي للابتكار والخدمات المتقدمة.