ساهم التزام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بما يُعرف بـ"العلاقة الخاصة" بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة هذا الأسبوع في إطلاق حزمة استثمارات قياسية بقيمة 200 مليار دولار في بريطانيا.
واختُتمت الزيارة التاريخية للرئيس التي استمرت يومين، يوم الخميس، بعد أن حضر مأدبة في قلعة وندسور مع العائلة المالكة وأجرى محادثات مع رئيس الوزراء كير ستارمر، إلى جانب قادة أعمال.
مساء الأربعاء، أُعلن أن عملاق الاستثمار "بلاكستون" وشركة العقارات اللوجستية "بروولوجيس" انضمتا إلى قائمة الشركات المتعهدة بضخ استثمارات كبرى في بريطانيا، لترتفع قيمة التعهدات خلال الزيارة إلى 150 مليار جنيه إسترليني (204 مليارات دولار)، وفقا لتقرير نشرته شبكة "CNBC"، واطلعت عليه "العربية Business".
وقالت الحكومة البريطانية إن ذلك يمثل أكبر حزمة استثمارات أجنبية مباشرة يتم الإعلان عنها خلال زيارة دولة، حيث من المقرر أن تبلغ استثمارات "بلاكستون" وحدها 100 مليار جنيه خلال العقد المقبل.
وشملت التعهدات الاستثمارية الأخرى "مايكروسوفت"، التي أعلنت خططاً لاستثمار 30 مليار دولار في المملكة المتحدة بحلول عام 2028، إضافة إلى "إنفيديا"، و"ألفابت"، و"أوبن إيه آي"، و"سيلزفورس"، مع تركيز الاستثمارات على تطوير الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
كما أُعلن عن اتفاق ثنائي يهدف إلى تبسيط بناء محطات الطاقة النووية في كل من بريطانيا والولايات المتحدة.
خبر سار للاقتصاد.. لكن العقبات قائمة
قال ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، في مقابلة مع "بي بي سي" هذا الأسبوع، إنه يتوقع أن تمنح استثمارات شركات التكنولوجيا الكبرى في الذكاء الاصطناعي دفعة قوية لاقتصاد بريطانيا في غضون خمس سنوات فقط.
وتأتي هذه الاستثمارات في وقت صعب، إذ سجل الاقتصاد البريطاني ركوداً في يوليو، ما زاد الضغوط على وزيرة المالية راشيل ريفز قبل تحديث الموازنة في نوفمبر. ومع تضاؤل الحيز المالي للحكومة، فإن الاستثمار الأجنبي المباشر يُعد مكسباً مرحباً به.
لكن خبراء اقتصاديين حذروا من المبالغة في التوقعات، مشيرين إلى أن هذه الاستثمارات ستكون "بطيئة الأثر" وليست حلاً سريعاً، خاصة مع تحديات أخرى مثل التغيرات الديموغرافية وتدني الاستثمارات في قطاعات أخرى.
كما دعا محللون إلى الحذر بشأن حجم الأموال الفعلي الذي سيصل إلى بريطانيا، مذكرين بأن "الدولارات الموعودة ليست دائماً دولارات فعلية".
طموح بريطانيا في أن تصبح "قوة عظمى في الذكاء الاصطناعي"
يرى محللون أن حزمة الاستثمارات تُعد أخباراً جيدة للاقتصاد البريطاني المتعثر، لكنها ليست العصا السحرية التي ستجعل من بريطانيا قوة عظمى في الذكاء الاصطناعي، كما تحدث عنها الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا جنسن هوانغ.
وأشاروا إلى أن أحد أبرز العوائق أمام نمو مراكز البيانات الضخمة هو تكلفة الطاقة وتوافرها، حيث تواجه بريطانيا بالفعل مشكلات في الطاقة خلال أوقات الذروة، إلى جانب ارتفاع أسعار الكهرباء. ورغم أن الطاقة النووية قد تكون حلاً، إلا أن الجدول الزمني يشير إلى أن إضافة قدرات كبيرة قد يستغرق عقداً من الزمن.
وفي هذا السياق، روّج المسؤولون البريطانيون لـ"عصر ذهبي" للطاقة النووية عقب الاتفاق الأخير مع الولايات المتحدة، لكن خبراء الطاقة حذروا من أن تفاصيل التنفيذ ما زالت غامضة، وأن جزءاً من الاتفاق قد يكون أقرب إلى رسائل سياسية أكثر من كونه التزامات قانونية ملزمة.
المستفيد الأكبر: الولايات المتحدة؟
طرح خبراء تساؤلات حول الجهة التي ستجني الفوائد الأكبر من تدفق هذه الاستثمارات، في ظل تراجع جاذبية الأسواق المالية البريطانية عالمياً.
ويرى بعض المحللين أن معظم ثمار هذه الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي ستذهب إلى الشركات الأميركية العملاقة، سواء بشكل مباشر أو عبر عمليات الاستحواذ، بينما تسعى الشركات البريطانية الناشئة الناجحة غالباً إلى الإدراج في الأسواق الأميركية بدلاً من المحلية.
مع ذلك، يُتوقع أن تستفيد قطاعات بريطانية تقليدية قوية مثل الأدوية والهندسة والرعاية الصحية من هذه الاستثمارات، بفضل ما توفره من بنية تحتية واسعة للذكاء الاصطناعي.