قبل يوم واحد من بدء الهجوم البري الإسرائيلي على مدينة غزة، أصدرت السلطات الإسرائيلية بيانا مقتضبا حول "النقل الآمن" لقطع أثرية نادرة مرتبطة بالمجتمع المسيحي في القطاع.
وأرفقت الإعلان بصور لمستودع أثري وصناديق محملة على الشاحنات، لكنها أغفلت الخلفية الكاملة للقصة: سباقٌ محموم قادته فرنسا والفاتيكان لإنقاذ هذه الكنوز بعد تحذير الجيش الإسرائيلي من نيته قصف المبنى الذي يضم مستودع المدرسة الفرنسية للكتاب المقدس والآثار في القدس، العاملة في المنطقة منذ عام 1890.
وفي قطاع عاصر حضارات متعاقبة من الكنعانيين والمصريين والفراعنة مرورا بالآشوريين والبابليين واليونان والرومان والعثمانيين والبريطانيين، تكتسب الأطلال واللقى الأثرية أهمية سياسية ورمزية كبيرة في الصراع على الأرض والهوية.
ورغم أن المستودع احتوى على مكتشفات من ثلاثة عقود من التنقيب، فإنها تمثل فقط جزءا من الإرث الثقافي الممتد لأكثر من خمسة آلاف عام.
فيما كثير من هذا الإرث تعرض للتدمير منذ اندلاع الحرب قبل نحو عامين، وفقاً لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.
مدير المدرسة الأثرية، الأب أوليفييه بوكويّون، قال في تصريح هاتفي: "لا يوجد منتصر عندما يُدمَّر التراث. هو بمثابة جذور الشجرة، وإذا قُطعت يخسر الجميع جزءًا من تاريخه"، وأوضح أنه تحرك سريعًا عبر اتصالات مع اليونسكو والسلطات الفرنسية واللاتين في القدس وحتى الفاتيكان، ما ساعد في تأجيل القصف ساعات إضافية سمحت بنقل نحو 60% من القطع.
اتهامات سابقة لإسرائيل
القضية لم تكن الأولى؛ فقد واجهت إسرائيل انتقادات أوائل العام الجاري حينما عرضت بعض هذه القطع في الكنيست، في مخالفة واضحة للمعاهدات الدولية التي تحظر نقل الممتلكات الثقافية من الأراضي المحتلة.
ورغم ذلك، قالت السلطات الإسرائيلية إنها لم تكن على علم بوجود المستودع، وحين تبيّنت أهميته سمحت بنقل الآثار. لكن منظمة "إيمك شافيه" الإسرائيلية، المناهضة لتسييس علم الآثار، وصفت ترويج إسرائيل لنفسها كحامية للتراث في غزة بأنه "أمر عبثي"، مؤكدة أن القانون الدولي يحظر المساس بالممتلكات الثقافية، مشيرة إلى أن تراث غزة يعود لآلاف السنين ويمثل إنجازًا إنسانيًا مشتركًا يتجاوز الانتماءات الدينية.
من جهته، قال عالم الآثار الغزي فاضل العطل، الذي ساهم من سويسرا في تنسيق عملية النقل، إن إنقاذ الآثار كان سباقًا مع الزمن، مضيفًا: "أشعر وكأنني فقدت طفلاً". أما العالم الفلسطيني معين صادق، أستاذ الآثار في جامعة تورونتو ومؤسس وزارة السياحة والآثار بغزة عام 1994، فرأى أن الحرب تستهدف الثقافة نفسها، معتبرًا أن علم الآثار يجب أن يكون بلا حدود.
القطع التي نُقلت شملت مكتشفات من ميناء أنثيدون التاريخي، ومن مقابر رومانية قديمة، وكنيسة في جباليا، ودير القديس هيلاريون الذي أدرجته اليونسكو كموقع تراث عالمي. غير أن المبنى الذي احتوى المستودع تعرّض لاحقًا للقصف الإسرائيلي.
السياسة والرمزية
وعشية بدء التوسع العسكري في غزة، حضر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والسفير الأميركي مايك هاكبي احتفالًا في موقع أثري مثير للجدل بالقدس يقع على مقربة من حي فلسطيني.
وخلال المناسبة، شدد هاكبي على أن "الأحجار تثبت بلا شك أن الشعب اليهودي ينتمي إلى هذا المكان منذ أربعة آلاف عام". أما روبيو فأكد أن "وعد الله أبدي وكامل"، في إشارة إلى دعم المطالب الإسرائيلية بالأرض.
لكن خبراء آثار غربيين شددوا على أن إنقاذ التراث في غزة لا يقل أهمية عن إنقاذ الأرواح، فهو يساعد البشرية على فهم معنى وجودها عبر العصور. وكما كتبت الباحثة لين د. دود من جامعة كاليفورنيا: "إنقاذ التراث والكرامة الإنسانية في غزة يمنحنا فرصة لفهم معنى أن تكون إنسانًا بالأمس واليوم".