بيت من تراب.. شركة يابانية تطور منزلاً بالطباعة ثلاثية الأبعاد بدون أسمنت

الخرسانة مسؤولة عن 8% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عالمياً

المصدر: الرياض - العربية Business
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

في ريف محافظة كوماموتو اليابانية، وتحديداً في زاوية هادئة لا توحي بالكثير، يجري مشروع بناء قد يغير قواعد اللعبة عالمياً. ليس لحجمه أو تكلفته، بل لما يفتقر إليه.. فلا وجود للخرسانة.

منزل ليب الأرضي (Lib Earth House)، أول منزل ثلاثي الأبعاد في اليابان يبنى أساساً من التراب، من تطوير شركة "ليب وورك" المحلية، وقد يكون بداية ثورة في عالم العمارة المستدامة.

تعد الخرسانة ثاني أكثر مادة استهلاكاً على الأرض بعد الماء، وتنتج منها سنوياً أكثر من 14 مليار متر مكعب، ما يساهم بنحو 8% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عالمياً، وفقاً لجمعية الإسمنت والخرسانة العالمية.

ومع تصاعد الدعوات لتقليل هذه الانبعاثات، ظهرت تقنيات بناء جديدة، لكن القليل منها تجرأ على التخلي الكامل عن الخرسانة.

استخدمت الشركة المطورة للفكرة مزيج خاص من التراب والجير والألياف النباتية، دون أي خرسانة حتى في الأساسات. يطبع هذا الخليط بطبقات باستخدام ذراع روبوتية ضخمة، ليشكل الهيكل الخارجي، بينما يوفر الخشب الدعم الداخلي.

وتشير التقديرات إلى أن هذه التقنية قد تقلل الانبعاثات المرتبطة بالبناء بنسبة تصل إلى 50%، متفوقة على الأبنية الخشبية في بعض الحالات، بحسب بيانات من منصة "MaterialDistrict".

تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد ليست جديدة في عالم البناء، لكن معظم المشاريع السابقة اعتمدت على خلطات إسمنتية. ما يميز مشروع "ليب وورك" هو الدمج بين التكنولوجيا المتقدمة والمواد المحلية التقليدية، في توليفة تجمع بين الحداثة والجذور.

هذا المزيج الترابي لا يقلل الانبعاثات فحسب، بل يفتح الباب أمام تصاميم معمارية حرة. الجدران تنساب بانحناءات طبيعية، والغرف تتداخل دون زوايا قائمة، في محاكاة لتضاريس الأرض. وتقول الشركة على موقعها الرسمي: "الأشكال التقليدية قيدت تصميم المنازل لسنوات.. الطباعة ثلاثية الأبعاد تكسر هذا القيد".

استجابة ذكية للمناخ والعمالة

استخدام التراب المحلي لا يقلل فقط من انبعاثات النقل، بل يتماشى مع مبادئ التصميم المتكيف مع المناخ. ففي بلد مثل اليابان، حيث الرطوبة العالية والمخاطر الزلزالية، توفر الجدران الطينية كتلة حرارية ومتانة مرنة، وهي خصائص موجودة منذ قرون في العمارة اليابانية التقليدية.

لكن التحدي لا يقتصر على البيئة. قطاع البناء في اليابان يواجه أزمة عمالة متفاقمة، مع شيخوخة السكان وعزوف الشباب عن المهن اليدوية. وهنا، تسعى "ليب وورك" إلى رقمنة مراحل البناء لتعويض نقص الأيدي العاملة، مع الحفاظ على الإنتاج المحلي والمرونة في التصميم.

من منزل إلى نموذج عالمي.. وربما فضائي!

طموح الشركة لا يتوقف عند حدود اليابان. فهي ترى في "منزل ليب الأرضي" نموذجاً لمساكن المستقبل حول العالم. بل إنها تدرس تطبيقات غير سكنية للتقنية، مثل الفنادق الصغيرة، واجهات المتاجر، وحتى مساكن خارج الأرض، مستندة إلى أبحاث ناسا حول استخدام التراب القمري والمريخي في البناء ثلاثي الأبعاد.

واللافت أن هذا المنزل، رغم كونه نموذجاً تجريبياً، يلتزم بالكامل بقانون البناء الياباني، بما في ذلك معايير مقاومة الزلازل، ليصبح من أوائل المباني المطبوعة ثلاثياً التي تجمع بين الابتكار والتوافق القانوني في واحدة من أكثر بيئات البناء صرامة في العالم.

نموذج هادئ.. برسائل مدوية

المنزل الحالي مكون من طابق واحد، ويضم ألواحاً شمسية وبطاريات "تسلا باور وول"، لكنه يحمل في طياته إعادة تفكير جذرية في كيفية بناء المنازل، ومن يبنيها، ومم تبنى.

بدأت الجامعات تلتفت إليه. فباحثون في جامعة "تكساس إيه آند إم" طوروا مواد مشابهة للطباعة الترابية، بينما تجرب شركات أوروبية مثل "ناغامي" و"هاسل ستوديو" استخدام البلاستيك المعاد تدويره في ملاجئ حضرية قابلة للتفكيك.

يعكس هذا الاتجاه تحولاً عالمياً نحو دائرية المواد، واللامركزية في البناء، وديمقراطية التصميم، وهي مفاهيم وردت في تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة حول حالة البناء العالمي. ومع الحاجة إلى خفض انبعاثات البناء بنسبة 40% بحلول عام 2030 لتحقيق أهداف المناخ، فإن نماذج مثل "منزل ليب الأرضي" ليست مجرد تجارب مثيرة.. بل ضرورية.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط