عندما ترشح دونالد ترامب للرئاسة عامي 2016 و2024، حمل معه وعوداً واضحة بنهج جديد في السياسة الخارجية، متعهّداً بإنهاء "الحروب التي لا نهاية لها" والتي استنزفت الولايات المتحدة. وقدّم نفسه كرجل أعمال يفضّل الدبلوماسية والصفقات على الصراعات، ووجد هذا الخطاب صدى لدى الناخبين الذين سئموا من التدخلات العسكرية. لكن هذا النهج بدا متناقضاً في حالة فنزويلا، حيث تبنّت إدارته سياسة تصعيدية غير مسبوقة، شملت تهديدات عسكرية مباشرة وتحشيداً كبيراً وعقوبات اقتصادية هي الأقسى في تاريخ البلاد، ما أثار تساؤلات جوهرية: لماذا شكّلت فنزويلا استثناءً في سياسة ترامب الخارجية؟
وفي الواقع، لم يعتبر ترامب فنزويلا مجرد صراع مثل الصراعات الدولية الأخرى، بل كانت سياسته انعكاساً لمزيج من المصالح الجيوسياسية والأجندات الشخصية واستراتيجية "الضغط الأقصى" التي يفاخر بها ترامب في خطاباته. ومنذ بداية ولايته الأولى، وضعت إدارته هدفاً واضحاً وهو إسقاط نظام الرئيس نيكولاس مادورو. وقد تجلّى ذلك في الاعتراف الفوري بخوان غوايدو رئيساً مؤقتاً في يناير 2019، في خطوة كانت تهدف إلى تحويل الشرعية الدولية ضد مادورو. تبع ذلك سلسلة عقوبات متصاعدة استهدفت قطاع النفط الحيوي، مصدر أكثر من 90% من دخل البلاد بالعملة الصعبة، إضافة إلى أفراد النظام والشركات المتعاونة معه. وكان الهدف المعلن هو حرمان النظام من موارده المالية لإجباره على التفاوض أو الاستسلام. ولم يتردد ترامب في التلميح إلى أن "جميع الخيارات مطروحة"، بما في ذلك الخيار العسكري، في محاولة لخلق ضغطٍ نفسي وتشجيع الانقلاب الداخلي. وتحولت فنزويلا بعدها إلى ساحة اختبار لفلسفة ترامب في السياسة الخارجية، التي تعني لا حروب طويلة، لكن لا تردد في استخدام القوة القصوى حين يتعلق الأمر بالمصالح الاستراتيجية كما فعل مع قصف المنشآت النووية الإيرانية.
والسؤال اليوم لماذا فنزويلا تحديدًا؟ والجواب: هناك العديد من الأسباب، وأبرزها النفط، إذ تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، لكن نظام مادورو، المتحالف مع روسيا والصين، منح شركات البلدين امتيازاتٍ ضخمة في القطاع النفطي وناصب العداء للشركات الأميركية. إسقاط النظام يعني لواشنطن استعادة فنزويلا إلى الفلك الاقتصادي الأميركي، وتقليص نفوذ منافسيها الجيوسياسيين في المنطقة. وبخلاف النفط، تعتبر فنزويلا تحت حكم مادورو حليفاً استراتيجياً لموسكو وبكين، اللتين قدمتا قروضاً واستثماراتٍ عسكريةً واقتصاديةً بمليارات الدولارات. وبالنسبة لترامب، الذي يرى في الصين وروسيا خصمين استراتيجيين، فإن فنزويلا تمثّل ساحةً أماميةً لحرب النفوذ في الحديقة الخلفية لأميركا. وإزالة نظام مادورو يعني إخراج حجر الزاوية في النفوذ الروسي-الصيني من أميركا اللاتينية، وكأن ترامب يريد أن يعيد عقيدة "مونرو" إلى الحياة، ولكن بنسخةٍ أكثر صرامةً ووضوحاً.
ورغم أن الخطاب الأميركي يركّز على إسقاط النظام لأسباب جيوسياسية واقتصادية، إلا أن نظام مادورو نفسه يقدّم مبرراتٍ إضافيةً لهذا الاستهداف، نظراً لسجله الداخلي والدولي المثير للجدل. فالنظام الفنزويلي متهم على نطاق واسع بانتهاكات حقوق الإنسان، وتقييد الحريات، وتفشّي الفساد بشكلٍ لا مثيل له في مؤسسات الدولة. وقد وثّقت منظمات دولية حالاتِ تعذيبٍ واختفاءٍ قسريٍّ وقمعٍ ممنهجٍ للمعارضة، ما جعل فنزويلا واحدة من أكثر الدول عزلةً دبلوماسياً في نصف الكرة الغربي. وداخلياً، اعتمد مادورو على شبكاتٍ مليشياويةٍ مثل "كولكتيفوس" التي تعمل كأذرعٍ أمنيةٍ غير رسمية لقمع الاحتجاجات وترويع المعارضين، في مشهدٍ يذكّر بالأنظمة البوليسية الأخرى في التاريخ. أما خارجياً، فقد عزّز مادورو تحالفاته مع دولٍ مثل إيران، التي وفّرت له دعماً لوجستياً ونفطياً، ومع جماعات تعتبرها واشنطن تهديداً مباشراً لأمنها، الأمر الذي زاد من تعقيد المشهد وجعل فنزويلا نقطة التقاءٍ بين أنظمةٍ ومليشياتٍ مناهضةٍ للنفوذ الأميركي.
وبشكلٍ عام، لقد ذهب مادورو بعيداً في عدائه للمصالح الأميركية، وجعل هذا الخليط من القمع الداخلي والتحالفات الخارجية المشبوهة من فنزويلا، في نظر إدارة ترامب، ليس فقط خصماً سياسياً، بل تهديداً أمنياً يستدعي أقصى درجات المواجهة.
ماذا عن الداخل الأميركي؟ وفي الحقيقة، يستثمر ترامب هذا الملف لكسب أصوات اللوبي المناهض لكاسترو ومادورو في ولاية فلوريدا المتأرجحة، حيث يوجد تجمعٌ كبيرٌ من المنفيين الكوبيين والفنزويليين المناهضين للشيوعية. ويستخدم ترامب فنزويلا كرمزٍ في خطابه الانتخابي ضد "الاشتراكية"، وهو نفس الاتهام الذي يوجّهه اليوم للمرشح اليساري لعمدة نيويورك زهران ممداني، على الرغم من أن خصومه داخل أميركا وهم كثر يتهمونه بمحاولة إشغال الرأي العام بملف فنزويلا من أجل التغطية على فضائح وأزمات الإدارة.
ورغم كل الضغوط، لم تنجح استراتيجية ترامب في إسقاط مادورو. والأسباب متعددة، أبرزها تماسك الجيش الفنزويلي، الذي حافظ على ولائه رغم الانشقاقات الفردية، حيث يخشى قادته من فقدان الامتيازات والخوف من المحاسبة. كما أن الدعم الروسي والصيني، عسكرياً واقتصادياً، خفّف من وطأة العقوبات الأميركية. وحتى دول مثل تركيا وإيران قدمت دعماً لوجستياً ونفطياً، ما جعل الحصار الأميركي أقلّ فاعليةً مما كان متوقّعاً.
لكن كانت هناك تكلفةٌ إنسانيةٌ باهظة، والعقوبات ساهمت، وفقاً لتقارير أممية ومنظمات حقوقية، في تفاقم الأزمة الإنسانية بشدّةٍ في فنزويلا، ما أثار انتقاداتٍ دولية وحتى من بعض الأصوات داخل الولايات المتحدة، ووضع واشنطن في موقفٍ دفاعيٍّ أخلاقي، وبدا أن الضغط الأقصى لا يسقط الأنظمة دائماً، لكنه يترك الشعوب في مواجهة الجوع والانهيار.
والحال اليوم أن أهداف ترامب من قلب النظام في فنزويلا تتجاوز مجرد التغيير السياسي إلى إعادة فنزويلا لصالح الهيمنة الأميركية، واستعادة السيطرة على ثرواتها النفطية، وضرب مصالح منافسيه الرئيسيين. وهو هدفٌ يعتبره ترامب مشروعاً، ويحاول من خلاله تطبيق فلسفة "أميركا أولًا" بأقصى صورها. لكن إخفاقه في تحقيق الهدف خلال ولايته الأولى كشف عن حدود هذه الفلسفة حين تصطدم بتحالفات قوية ونظام استطاع رغم كل الأزمات البقاء في السلطة وهو ما يترك لترامب في ولايته الثانية خياراتٍ محدودةً جداً، أبرزها إسقاط النظام بالقوة مهما كانت التكلفة.