محمد صلاح على مقعد الاحتياطي

رفعت رشاد
رفعت رشاد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

قدم الكاتب والسيناريست رؤوف توفيق تحليلا نفسيا بارعا لشخصية ضابط مباحث أمن الدولة الذي أقيل من منصبه بعد أحداث يناير 1977 في مصر. شاهدنا الضابط في حالة اضطراب نفسي وارتباك في مواجهة وضعه الجديد. ومع عدم المقارنة، إلا أنه تحليل مشابه لما حدث للاعب الكرة محمد صلاح الذي جلس في مقاعد الاحتياطي في مباراة فريقه ليفربول الأخيرة ولم يشارك في المباراة إلا لمدة ربع ساعة.

لم يكن مشهد محمد صلاح جالسا على مقاعد البدلاء في آخر مباريات ليفربول مجرد تفصيل عابر في موسم طويل، بل لحظة صادمة لمتابعيه وجماهيره حول العالم. النجم الذي اعتاد أن يكون في قلب كل انتصار، لم يشارك إلا في ربع الساعة الأخيرة، ليظهر بعدها الغضب واضحًا في تصرفاته ومواقفه، سواء في مشادته مع مدربه أو بحذف شعار النادي ولون القميص من صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي.

هذه اللحظة، رغم بساطتها في ظاهرها، كشفت عن صراع نفسي داخلي يمر به صلاح بين مجد الأمس وضغوط الحاضر، وبين صورة النجم اللامع التي تعودها ودور اللاعب الاحتياطي الذي فرض عليه مؤخرًا. صلاح، مثل كثير من النجوم الكبار، بنى هويته على التفوق والنجاح المستمر. في علم النفس الرياضي، يعرف هذا النمط باسم «هوية البطولة» - أي أن الإحساس بالقيمة الذاتية يصبح مرتبطا بالإنجاز الدائم.

وعندما يجلس اللاعب النجم على مقاعد الاحتياط، يشعر وكأنه فقد جزءا من ذاته. ليست المشكلة في قرار المدرب فنيا، بل في الرسالة النفسية التي يحملها: «أنت لم تعد كما كنت». هذا الإحساس يحدث صدمة داخلية تترجم إلى غضب ورفض، ليس ضد النادي أو المدرب فحسب، بل ضد فكرة فقدان السيطرة على مصيره الرياضي.

لذلك نتفهم تصرفه حين أزال شعار ليفربول من حساباته الرسمية؛ إذ لم يكن تمردا واعيا، بقدر ما كان رد فعل نفسي دفاعي لاستعادة توازنه الداخلي بعد أن شعر بالإهانة أو التهميش. فالنجم الذي لطالما كان رمز القوة والإصرار، لم يتقبل بسهولة أن يتحول من «القائد الملهم» إلى «البديل المنتظر». ومع ذلك، قد يخفي هذا الغضب خوفا أعمق من النهاية. فصلاح، الذي تجاوز الثلاثين، يدرك أن مرحلة الذروة في كرة القدم قصيرة، وأن المنافسة مع لاعبين أصغر سنا وأكثر سرعة باتت أكثر قسوة. لذلك، قد يكون هذا الموقف أول مواجهة حقيقية له مع فكرة «الزمن الرياضي» وتراجع المجد. لكن النضج الحقيقي لا يقاس بعدد الأهداف، بل بقدرة النجم على إعادة تعريف نفسه داخل الفريق. يحتاج صلاح اليوم إلى رؤية أوسع لدوره؛ أن يدرك أن قيمته لا تتوقف عند التسجيل أو التتويج، بل في خبرته القيادية وتأثيره داخل المجموعة. فالنجم الحقيقي هو من يبقى مؤثرا حتى خارج لحظة المجد الفردي.

يبقى محمد صلاح أحد أعظم اللاعبين في تاريخ الكرة المصرية والعربية، ورمزا للإصرار والطموح. لكن عليه أن يتعامل مع هذه الأزمة كفرصة جديدة لإثبات أنه لا يزال قادرا على تحويل التحديات إلى انتصارات. فالمجد لا يقاس فقط بالدقائق التي يقضيها في الملعب، بل بالقدرة على النهوض في وجه الشكوك، والعودة أكثر حكمة وثقة.

السوابق تثبت أن صلاح لا يعرف الاستسلام، بل يعرف دائما طريق العودة إلى القمة.

*نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط