حصري خريطة الثروات الجديدة في الخليج.. من النفط إلى البيانات!

القيمة السوقية لـ"تابي" السعودية تصل لنحو 4.5 مليار دولار

المصدر: القاهرة - محمود القصاص
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
7 دقائق للقراءة

تنتج دول الخليج مليارديرات أسرع من أي وقت مضى. وجوه جديدة برزت في مشهد الثروة الخليجي بعضها من الشباب الذين صنعوا مجدهم من تطبيقات الهواتف الذكية ومنصات الذكاء الاصطناعي وسلاسل الأغذية السريعة، وحتى من ألعاب الفيديو.

ويبدو أن الفرصة باتت أكبر لرؤية سلسلة من الأجيال الممتدة من أصحاب الثروات مع تبني سياسات أكثر جاذبية للمكاتب العائلية الدولية ورؤوس الأموال الجريئة، ما يعد بطفرة في أعداد شركات "اليونيكورن".

وزير الاستثمار السعودي، خالد الفالح، قال خلال جلسة نقاشية في مؤتمر "مبادرة الاستثمار" المنعقدة في الرياض قبل أسبوعين: "إن العائلة تمثل نواة المجتمع وفقاً لثقافتنا وقيمنا، كما أنها كانت مصدر الثروة لآلاف السنين، واعتمد الاقتصاد في بنائه على مجموعة العائلات الثرية".

وأضاف الفالح: "معظم الشركات الكبرى بنتها عائلات كبيرة، معظمهم كانوا تجاراً بنوا شركات، وبعضهم يشارك في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار".

في السنوات الأخيرة، شهدت دول الخليج تحولاً جذرياً في مصادر تكوين الثروة. لم يعد الذهب الأسود هو المحرك الوحيد للاقتصاد، بل بدأت تظهر أسماء جديدة في قوائم الأثرياء، جمعت ثرواتها من قطاعات غير نفطية، مثل التكنولوجيا المالية، الترفيه الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والخدمات الصحية.

شركات ناشئة تتحول لعلامات إقليمية بمليارات الدولارات

شركات مثل "تابي" و"طلبات" لم تكن مجرد مشاريع ناشئة، بل أصبحت علامات تجارية إقليمية تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، يقودها رواد أعمال صنعوا ثرواتهم من أفكار مبتكرة وليس من آبار النفط.

هذا التحول لا ينعكس فقط في قصص النجاح الفردية، بل تؤكده الأرقام الرسمية أيضاً؛ حيث تراجعت مساهمة الأنشطة النفطية في الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج إلى أقل من 27%، مقابل أكثر من 73% للأنشطة غير النفطية، وفقاً لبيانات مجلس التعاون الخليجي التي اطّلعت عليها "العربية Business".

تقييمات الشركات الناشئة وجولات التمويل، والطروحات الأولية، والتقنيات الجديدة في الذكاء الاصطناعي واستخداماتها باتت أحد الشواغل الرئيسية في طاولات الاجتماعات وعلى المقاهي في عواصم المال الخليجية. أسماء جديدة بدأت تفرض نفسها في مشهد الثروة الخليجي، لتشكل جيل جديد من رواد الأعمال الذين صنعوا ثرواتهم من أفكار رقمية، ومنصات ذكية، وابتكارات غذائية وترفيهية.

يعزز هذا النمو توجه دول الخليج في تسهيل بيئة الاستثمار وانتقال رؤوس الأموال والأفكار والابتكار بشكل بيني، واجتذاب الأموال والمواهب العالمية إلى الداخل. وقال الفالح "نعمل على تسهيل اجتذاب الشركات متعددة الجنسيات للعمل داخل المنطقة، وكذلك المكاتب العائلية، الهدف ليس الأموال (والتي تعد مهمة أيضاً)، ولكن الأفكار والابتكار بالأساس".

وكشف الفالح أن السعودية نجحت في اجتذاب 700 شركة عالمية لتصبح المملكة مقراً إقليمياً لها، وبعضها الأكبر عالمياً في قطاعاتها، بما فيها الشركات المالية العالمية.

مؤسس "تابي" حسام عرب أحد هؤلاء، حيث تعمل شركته في مجال التقسيط أو ما يعرف بـ"اشترِ الآن وادفع لاحقاً" بطريقة مبتكرة ومتوافقة مع الشريعة. بدأت الشركة في عام 2019، واليوم تقدر قيمتها السوقية بـ 4.5 مليار دولار، وتخدم أكثر من 15 مليون مستخدم في الخليج، وتستعد لطرح عام أولي في السوق المالية. وفقاً لـ"بلومبرغ".

وفي مجال الأغذية، تلمع قصة "طلبات"، التي بدأت كمشروع كويتي بسيط عام 2004، وتحولت إلى منصة إقليمية ضخمة تعمل في 9 دول، وتحقق أرباحاً فصلية تجاوزت 121 مليون دولار. مؤسسوها، عبدالعزيز اللوغاني وخالد العتيبي، لم يرثوا ثرواتهم، بل بنوها من الصفر عبر فهمهم العميق للسوق المحلية واحتياجاتها الرقمية.

أما في عالم الترفيه، فقد ذكر موقع "TechCrunch" أن شركة "True Gamers" السعودية جمعت 45 مليون دولار لتوسيع نشاطها في الألعاب الإلكترونية، مستفيدة من الدعم الحكومي الكبير لقطاع الترفيه الرقمي، ورغبة الشباب الخليجي في محتوى محلي ينافس عالمياً.

هذه الأسماء وغيرها تمثل ملامح جديدة للثروة في الخليج، ثروة لا تستخرج من الأرض، بل تبنى في العقول، وتصمم على الشاشات، وتمول عبر صناديق رأس المال الجريء.

حتى مقاييس الثروة، ومفرداتها تغيرت مع "ثورة الهواتف الذكية"، حيث بات عدد المستخدمين النشطين، أو حجم التمويل في الجولة الاستثمارية الأخيرة، أو عدد الدول التي توسعت فيها المنصة بديلاً لمقاييس الأنشطة التقليدية. لقد تغيرت قواعد اللعبة، وتغير معها اللاعبون.

جذبت الأفكار الجديدة استثمارات ضخمة من شركات عالمية مثل "PayPal Ventures" و"Sequoia Capital"، وغيرها من عمالقة رأس المال الجريء، وباتت الأفكار تصدّر من الخليج إلى العالم كما يصدّر النفط.

مركز استضافة الذكاء الاصطناعي

لم تتوقف الحكومات الخليجية عند هذا الحد، إذ تكثف الاقتصادات المحلية استثماراتها الضخمة في المجالات التكنولوجية الرائدة والمستقبلية، حيث تخطط السعودية لأن تصبح ثالث أكبر مستثمر في مجال الذكاء الاصطناعي مع إطلاق شركة "هيوماين" العملاقة والتي ستعمل على بناء تكنولوجيات جديدة ومراكز بيانات ضخمة.

كما كشف الرئيس التنفيذي للشركة طارق أمين، خلال فعاليات منتدى "فورتشن" عن إطلاق نظام تشغيل لأجهزة الكمبيوتر بديلاً لأنظمة "ويندوز" و"ماك أو إس" مبني على الذكاء الاصطناعي خلال الشهر الجاري يعرف باسم "هيوماين 1".

الإمارات هي الأخرى تسعى لبناء مراكز بيانات عملاقة لاستضافة عمليات معالجة البيانات، وحصلت على موافقة لشراء شرائح "إنفيديا" المتطورة، ما يعد بالمزيد من صادرات المعرفة مستقبلاً وسط تبني الخليج لسياسات تستهدف تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط.

دعم الحكومات الخليجية للتجارة الإلكترونية، خلق عددا كبيرا من المنصات الناجحة، واقتنص الفرصة شباب جدد أعادوا صياغة التقنية لتتلاءم مع توجهات الجيل الجديد من المستهلكين مثل "طلبات"، و"سوق دوت كوم" والتي استحوذت عليها "أمازون"، بينما صنع مليارديرات قدامى مثل محمد العبار أبطال محليين "نون دوت كوم".

هذه الثروات لم تبن في فراغ، بل جاءت نتيجة لبيئة اقتصادية جديدة تتبنى الابتكار، وتدعم المشاريع الناشئة، وتوفر بنية تحتية رقمية متقدمة، من خلال رؤى وطنية مثل رؤية السعودية 2030.

أحد أبرز ملامح هذا التحول هو الانتقال الكبير للثروات بين الأجيال. تشير التقديرات إلى أن ما بين 500 إلى 700 مليار دولار من الثروات الخليجية ستنتقل إلى الجيل الجديد بحلول عام 2035، ما يفتح الباب أمام نمط جديد من إدارة الثروة، أكثر ارتباطاً بالتقنية والاستثمار في القطاعات المستقبلية وفقاً لتقرير حديث لـ"PwC Middle East".

في الوقت نفسه، تشهد المنطقة نمواً غير مسبوق في عدد المكاتب العائلية (Family Offices)، التي لم تعد تكتفي بإدارة الثروات التقليدية، بل أصبحت تستثمر في الشركات الناشئة، والتقنيات الحديثة، والقطاعات المستدامة.

ومن بين القادمين بقوة، يظهر مؤسسو شركات ناشئة في الذكاء الاصطناعي، مثل MindEase البحرينية، التي تقدم خدمات علاج نفسي مدعومة بالذكاء الاصطناعي باللغة العربية، كما أن شركات مثل "INNOVIX" في قطاع الأغذية الذكية، و"Salla" في التجارة الإلكترونية، و"Kitopi" في المطابخ السحابية، تمثل نماذج ناجحة لرواد أعمال خليجيين استطاعوا تحويل أفكارهم إلى شركات تقدر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات.

كما أن الهجرة العكسية للأثرياء أصبحت ظاهرة لافتة؛ إذ يهاجر الكثير من أثرياء العالم إلى مدن خليجية من بينها الرياض ودبي وأبوظبي.

هؤلاء القادمون لا يحملون فقط ثروات مالية، بل يحملون رؤى جديدة، وأساليب مختلفة في الاستثمار، ونمط حياة أكثر ارتباطاً بالابتكار والاستدامة، ما يجعلهم ليس فقط أثرياء المستقبل، بل صانعيه أيضاً.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط