استثمارات الطاقة المتجددة في المغرب العربي.. سباق الزمن قبل 2050

استراتيجية واعدة لتصدير الكهرباء النظيفة للقارة العجوز

المصدر: الرياض - الحسن معاوية
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

تشهد دول المغرب العربي توجهاً استراتيجياً نحو الطاقة المتجددة، في ظل تزايد الطلب على الطاقة النظيفة، مع التحديات العالمية المرتبطة بالتغير المناخي، وضغوط تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. ولا يقتصر هذا التحول على تلبية الاحتياجات المحلية، بل يمتد ليشكل فرصة اقتصادية ضخمة للتصدير نحو أوروبا، وجذب استثمارات خليجية ودولية، بما يضع المنطقة في قلب خريطة الطاقة العالمية خلال العقدين المقبلين.

يتصدر المغرب قائمة دول المغرب العربي من حيث حجم الاستثمارات والمشاريع القائمة والمخطط لها، يليه الجزائر وتونس، ثم موريتانيا التي بدأت في جذب استثمارات خليجية، وأخيرًا ليبيا التي لا تزال في مرحلة التخطيط. ولا يعكس هذا الترتيب تفاوت القدرات الاقتصادية والسياسية بين دول المنطقة، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن التحول نحو الطاقة المتجددة أصبح خياراً استراتيجياً لا رجعة فيه.

شركة أميركية تدشن مصنعاً جديداً في المغرب باستثمارات 8 مليارات درهم

يُعد المغرب النموذج الأبرز بالمنطقة في قطاع الطاقة النظيفة، حيث أطلق منذ سنوات استراتيجية متكاملة للتحول الطاقي، جعلته في صدارة الدول العربية في مجال الطاقات المتجددة. ومن أبرز تلك المشاريع يظهر مشروع "نور ورزازات" للطاقة الشمسية، الذي يُعد من أكبر المشاريع في العالم، يمثل حجر الزاوية لهذه الاستراتيجية المغربية.

وقد ساهم البنك الدولي في مشروع "نور ورزازات" الذي عزز قدرة المغرب على إنتاج الكهرباء النظيفة، ما سيعزز قدرة الرباط في تحقيق هدف وضعته نصب عينيها يتمثل في تغطية 42% من الطلب على الكهرباء من مصادر متجددة بحلول عام 2050.

تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن المغرب يحتاج إلى نحو 78 مليار دولار لاستكمال مسار التحول الأخضر حتى منتصف القرن، وهو ما يفتح الباب أمام استثمارات ضخمة من القطاعين العام والخاص.

40 مليار يورو

وإلى جانب ذلك، يبرز مشروع "سيلا أتلانتيك Sila Atlantik" الذي تطوره شركات أوروبية بالتعاون مع المغرب، لنقل نحو 26 تيراواط/ساعة سنويًا من الكهرباء النظيفة إلى ألمانيا عبر كابل بحري بطول 4800 كيلومتر، بتكلفة تتراوح بين 30 و40 مليار يورو، على أن يبدأ التشغيل في عام 2034. هذا المشروع يعكس بوضوح الطموح المغربي للتحول إلى مصدر رئيسي للطاقة في القارة الأوروبية.

تونس: خطوات متسارعة

تسعى تونس بدورها لتعزيز حصتها من الطاقة المتجددة، عبر مشاريع للطاقة الشمسية والرياح. ومن أبرز ذلك مشروع "قيروان للطاقة الشمسية" بقدرة 100 ميغاواط، والذي يتميز بتكلفة إنتاج منخفضة تبلغ 3.5 سنت لكل كيلوواط/ساعة، بدعم من البنك الإفريقي للتنمية.

كما تعمل تونس على الاستفادة من مشروع الربط الكهربائي مع الجزائر وإيطاليا، المعروف باسم "Medlink" والذي يهدف إلى إنشاء قدرة إنتاجية تصل إلى 10 غيغاواط، ما يتيح لتونس فرصة لتصدير الكهرباء إلى أوروبا، وتعزيز أمنها من مزيج الطاقات الخضراء.

الجزائر.. تحولات كبرى

رغم اعتماد الجزائر الكبير على الغاز الطبيعي، فإنها بدأت في تنفيذ مشاريع للطاقة الشمسية والرياح، مثل مشروع إنتاج 50 ميغاواط في منطقة الوادي، ومشاريع أخرى في أدرار بالتعاون مع شركة سونلغاز. وتعد الجزائر طرفاً رئيسياً في مشروع "Medlink" الذي حصل على موافقة الاتحاد الأوروبي في أغسطس/آب 2025، ليصبح جزءاً من مشاريع البنية التحتية ذات الاهتمام المشترك، مما يفتح الباب أمام تمويلات أوروبية كبيرة لدعم الربط الكهربائي وتصدير الطاقة النظيفة.

موريتانيا إمكانات واعدة

تمتلك موريتانيا إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية والرياح، إضافة إلى موقعها الجغرافي الذي يجعلها مرشحة قوية لتطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر. وقد وقعت مذكرة تفاهم مع السعودية في أبريل 2024 لتعزيز التعاون في مجالات الطاقة المتجددة، بما في ذلك الهيدروجين النظيف وتحلية المياه باستخدام الطاقة النظيفة. وتمثل هذه الشراكة خطوة مهمة لجذب استثمارات خليجية إلى المنطقة.

أما ليبيا، فرغم التحديات السياسية، بدأت في وضع خطط للربط الكهربائي مع الجزائر وتونس، ضمن مذكرة تفاهم ثلاثية تهدف إلى إنشاء شبكة مغاربية مشتركة، تمهيدًا لتصدير الطاقة النظيفة إلى أوروبا في المستقبل.

حجم التمويلات

يتمتع التحول نحو الطاقة المتجددة في المغرب العربي بدعم واسع من المؤسسات الدولية. فقد قدم البنك الدولي تمويلات مباشرة للمغرب وتونس، بلغت نحو 125 مليون دولار لمشاريع الطاقة النظيفة، إضافة إلى تقديرات بضرورة توفير 78 مليار دولار حتى عام 2050 لتحقيق الأهداف الطموحة.

أما البنك الإفريقي للتنمية فقد ضخ نحو 12.7 مليار دولار في قطاع الطاقة بين عامي 2016 و2024، منها مليار دولار عبر صناديق الاستثمار المناخي. كما يشارك الاتحاد الأوروبي في تمويل مشاريع الربط الكهربائي، مثل "Medlink" عبر برنامج "Connecting Europe Facility".

استثمارات سعودية

تلعب السعودية دوراً متزايداً في دعم مشاريع الطاقة المتجددة في المغرب العربي، من خلال شركات كبرى مثل "أكوا باور".

وتشمل تلك الاستثمارات مشاريع في المغرب وموريتانيا، مع التركيز على الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر. وتعكس هذه الشراكات التوجه السعودي لتعزيز الحضور في سوق الطاقة العالمية، وتوسيع نطاق الاستثمارات خارج الحدود.

مزيج الطاقة

تتجه الاستثمارات في المغرب العربي بشكل رئيسي نحو الطاقة الشمسية والرياح، نظراً لتوافر الموارد الطبيعية المناسبة. ويتصدر المغرب في هذا المجال، بمزيج متوازن من الطاقة الشمسية والرياحية، إضافة إلى مشاريع الهيدروجين الأخضر التي تمثل مستقبل الطاقة النظيفة عالميًا.

أما تونس والجزائر فتركزان على الطاقة الشمسية، مع خطط لتطوير مشاريع الرياح، بينما تراهن موريتانيا على الهيدروجين الأخضر إلى جانب الطاقة الشمسية والرياح. أما ليبيا، فلا تزال في مرحلة التخطيط، مع توجه نحو الطاقة الشمسية وربط الشبكات الإقليمية.

فرص التصدير نحو أوروبا

يعتبر تصدير الطاقة الكهربائية نحو أحد أبرز أهداف مشاريع الطاقة المتجددة في المغرب العربي هو التصدير، خاصة أن أوروبا تسعى لتقليل اعتمادها على الغاز الروسي وتعزيز أمنها الطاقي.

وتمثل مشاريع مثل "Sila Atlantik" و"Medlink" جسوراً استراتيجية لنقل الكهرباء النظيفة من شمال إفريقيا إلى القارة الأوروبية، بما يحقق مكاسب اقتصادية ضخمة لدول المغرب العربي، ويعزز مكانتها كمصدر رئيسي للطاقة في المستقبل.

التحديات التحول

رغم الفرص الكبيرة، فإن دول المغرب العربي تواجه تحديات متعددة، أبرزها الحاجة إلى الحاجة إلى تمويلات ضخمة لتطوير البنية التحتية، مثل الكابلات البحرية ومحطات التخزين، إضافة إلى ضرورة تحديث التشريعات وتسهيل الإجراءات لجذب الاستثمارات الخاصة.

وتمثل المخاطر الجيوسياسية وعدم الاستقرار السياسي في بعض الدول عقبة أمام تنفيذ المشاريع الكبرى، إلى جانب نقص الكفاءات الفنية والمهارات اللازمة لإدارة هذه المشاريع.

مستقبل واعد

التحول نحو الطاقة المتجددة في المغرب العربي ليس مجرد خيار بيئي، بل هو مشروع اقتصادي واستراتيجي يفتح آفاقًا جديدة للتنمية، ويوفر فرصاً ضخمة للتصدير وجذب الاستثمارات الدولية.

ومع استمرار الدعم من المؤسسات المالية العالمية، والشراكات الخليجية، خاصة السعودية، تبدو المنطقة على أعتاب مرحلة جديدة ستجعلها لاعباً رئيسياً في سوق الطاقة النظيفة عالميًا.

ومع ذلك فإن النجاح في هذا المسار يتطلب مواجهة التحديات بجدية، من خلال تسريع الإصلاحات، وتطوير البنية التحتية، وبناء القدرات البشرية، لضمان تحقيق الأهداف الطموحة في السنوات المقبلة.

الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط