وسط التوقعات الجامحة حول وصول الذكاء الاصطناعي إلى مستوى "الذكاء العام" واستبدال ملايين الوظائف البشرية، يبرز سؤال أقل إثارة لكنه لا يقل أهمية: كم ستدوم صلاحية رقائق الذكاء الاصطناعي؟
ففي خضم سباق التسلح التكنولوجي، تتدفق مليارات الدولارات نحو شراء وحدات المعالجة الرسومية (GPUs)، وهي القلب النابض لتدريب وتشغيل النماذج اللغوية العملاقة. معظم الشركات تستدين لشراء أكبر عدد ممكن من هذه الرقائق بأسرع وقت، لكن القواعد المحاسبية تفرض عليها تقدير العمر الافتراضي لهذه المعدات. كلما طال العمر المقدر، توزعت التكلفة على سنوات أكثر، ما يرفع الأرباح الحالية على الورق.
لكن ماذا لو فقدت هذه الرقائق قيمتها بعد أربع سنوات وليس ستاً؟ حينها ستضطر الشركات إلى إنفاق جديد ضخم، وربما إعادة هيكلة ديونها، أو تسجيل خسائر مفاجئة في دفاترها، بحسب تقرير مطول لوكالة "بلومبرغ".
المخاطرة لا تتوقف عند شركة واحدة؛ إذا تكررت الأخطاء على نطاق واسع، قد يواجه القطاع بأكمله أزمة مالية. فهل أرباح شركات الذكاء الاصطناعي أقل مما تبدو؟ وهل القروض التي حصلت عليها أكثر خطورة مما يُعلن؟
المعضلة أن لا أحد يعرف القيمة الفعلية لرقاقة عمرها 5 سنوات في سوق الذكاء الاصطناعي. حتى "تشات جي بي تي" لم يكمل عامه الثالث بعد. تقول سارة فراير، المديرة المالية لشركة "OpenAI": "لا أحد يعرف كيف يمول وحدة معالجة رسومية لأنه لا يعرف كم ستدوم"، لكنها تؤكد أن شركتها تراهن على خمس سنوات من الاستخدام.
سباق محموم.. ومناورات مالية جريئة
تمنح القواعد المحاسبية الشركات هامشاً لتحديد فترة الإهلاك، ومعظمها اختار 5 أو 6 سنوات. في بيئة تنظيمية أكثر صرامة، ربما كانت هيئة الأوراق المالية الأميركية ستطرح أسئلة قاسية، لكن في عهد الرئيس دونالد ترمب، تبنّت الهيئة نهجاً متساهلاً، وفقاً لفرانسين ماكينا، المحاضرة في جامعة مونتكلير، التي علقت بحدة: "نحن في بيئة متقلبة وتكنولوجية متسارعة، والهيئة خارج الخدمة".
حتى تغييرات طفيفة في سياسات الإهلاك قد تقلب الأرباح رأساً على عقب. تقول أولغا أوسفياتسكي، الخبيرة في قضايا المحاسبة: "بضعة أشهر فقط قد تغير أرباح الشركات بمليارات الدولارات في ربع واحد".
لكن هناك من يرى أن الخطأ أكبر من مجرد بضعة أشهر. مايكل بيري، المستثمر الشهير الذي توقع أزمة الرهن العقاري عام 2008، أثار ضجة مؤخراً بتقديره أن شركات الحوسبة العملاقة تقلل من الإهلاك بما يصل إلى 176 مليار دولار بين 2026 و2028.
من يواجه الخطر الأكبر؟
عمالقة مثل "غوغل" و"مايكروسوفت" يملكون سيولة ضخمة، لكن شركات ناشئة مثل "OpenAI" و"Anthropic"، إضافة إلى مزوّدي الحوسبة السحابية المتخصصة، يعتمدون على الديون لتمويل مراكز البيانات. هؤلاء يدفعون فوائد أعلى، وبعضهم غير مربح، ما يجعلهم الحلقة الأضعف. أي تعثر قد يضر بالمستثمرين والمقرضين، وبالمصنّعين مثل "إنفيديا"، وحتى بشركات الذكاء الاصطناعي التي تستأجر قدراتهم.
تهيمن "إنفيديا" على سوق الرقائق، وتطلق نسخة أحدث كل عام، ما يسرّع تقادم المعدات. لكن الشركات تقول إن الرقائق القديمة لا تزال مفيدة في مهام أقل تعقيداً مثل تشغيل النماذج الجاهزة "عمليات الاستدلال".
حتى الآن، الطلب على خدمات منخفضة التكلفة باستخدام رقائق قديمة كبير لدرجة أن بعض الشركات تراهن على عمر يصل إلى 10 سنوات لهذه المعدات، وفقاً لكارمن لي، الرئيسة التنفيذية لشركتين في مجال الرقائق، التي شبّهت الوضع بسوق السيارات المستعملة: "هناك من يريد الأحدث دائماً، وهناك من يكتفي بالمستعمل".
لكن هذا الطلب قد يتراجع إذا زالت أزمة نقص الرقائق. وحتى لو استمر، هناك مخاطر أخرى، مثل مدى قدرة مراكز البيانات على إعادة توظيف الرقائق لأغراض جديدة، وهو ما يسمّى "قابلية التبديل". الشركات الأقل مرونة ستدفع ثمناً أكبر للتكيف مع السوق.