قبل 217 عاماً، وتحديداً في الرابع من ديسمبر عام 1808، شهدت مدريد واحدة من أكثر اللحظات حرجاً في تاريخها حين اضطرت للاستسلام لنابليون بونابرت وقبول شروطه القاسية، في فصل جديد من حربٍ أوروبية امتدّت نيرانها إلى العمق الإسباني.
منذ مطلع القرن التاسع عشر، لم تتردد إسبانيا في التحالف مع الفرنسيين ضد البريطانيين. فبعد اتفاقية فونتببلو (Fontainebleau) عام 1807، سمحت مدريد بمرور القوات الفرنسية عبر أراضيها نحو البرتغال لإخضاعها وإجبارها على الانضمام للحصار القاري ضد بريطانيا. لكن وجود هذه القوات سرعان ما تضاعف داخل إسبانيا، ومع الوقت فقدت البلاد سيادتها تدريجياً.
ومع اندلاع أزمة الخلافة بين تشارل الرابع وابنه فرديناند، استغل نابليون بونابرت الموقف ليجبر الطرفين على التنازل عن العرش عام 1808، ويعين شقيقه جوزيف بونابرت ملكاً على إسبانيا. خطوة أشعلت غضباً عارماً في البلاد، ومع حلول مايو من العام نفسه انفجر التمرد ضد الحكم الفرنسي.
استسلام مدريد
ردّت القوات الفرنسية على التمرد بعنف شديد في الثالث من مايو 1808، ما تسبب في سقوط أعداد كبيرة من القتلى. وسرعان ما اتسعت رقعة التمرد لتتحول إلى حرب استقلال، خصوصاً مع حصول الإسبان على دعم مادي وعسكري من بريطانيا.
ومع ارتفاع خسائره وانسحاب شقيقه جوزيف من مدريد، قرر نابليون التوجه شخصياً إلى إسبانيا لقيادة قواته. ولتحقيق النصر، سحب جزءاً كبيراً من قواته المتمركزة قرب النمسا وبروسيا، في خطوة هددت توازن القوى في أوروبا ودفعت النمسا للتفكير في تشكيل تحالف جديد ضد فرنسا.
على الساحة الإسبانية، حقق نابليون تقدماً سريعاً وانتصاراً حاسماً في معركة سوموسييرا (Somosierra) يوم 30 نوفمبر 1808. وبعد هذا النصر أصبحت مدريد في متناول يده، وفرضت عليها القوات الفرنسية طوقاً محكماً. ومع غياب أية إمكانية للمقاومة، قبلت العاصمة الإسبانية الاستسلام وفتحت أبوابها للفرنسيين في 4 ديسمبر من العام نفسه، وأبرمت اتفاقية استسلام مع نابليون.
اتفاقية لم تُحترم
تنص الاتفاقية على قبول الإسبان بالاستسلام غير المشروط، ووقف العمليات القتالية داخل مدريد وتسليم العاصمة بالكامل للقوات الفرنسية. وفي المقابل، تعهد نابليون بعدم المساس بالمدنيين أو القيام بأية عمليات انتقامية، مؤكداً محاسبة أي جندي فرنسي يرتكب انتهاكات.
كما وعد بالسماح للكاثوليك بممارسة شعائرهم بحرية، والحفاظ على تركيبة الإدارة المحلية دون تغيير. وبالمقابل، التزمت مدريد بتسليم مخازن السلاح وتوفير جميع المستلزمات لقوات نابليون.
لكن بونابرت لم يحترم أجزاء واسعة من الاتفاق. فسرعان ما استبدل المسؤولين الإداريين الإسبان بآخرين فرنسيين أو موالين له، وغيّر النظام في البلاد مجدداً بفرض شقيقه جوزيف ملكاً على إسبانيا، ما أثار غضباً شعبياً جديداً.
ولم يكتفِ بذلك، بل أجبر سكان مدريد على توفير مساكن ومؤن كبيرة لقواته، وفرض ضرائب باهظة أدت إلى تصاعد الاحتقان الشعبي تجاه الاحتلال الفرنسي.
وهكذا تحوّل يوم استسلام مدريد إلى نقطة فاصلة في تاريخ إسبانيا، إذ لم يكن نهاية للصراع، بل بداية لفصول أشد عنفاً في حرب استقلال طويلة ضد الإمبراطورية النابليونية.